يقول المسيري(العلمانية الشاملة: رؤية شاملة للوقائع تحاول بكل صرامة تحييد علاقة الدين والقيم المطلقة والغيبيبات بكل مجالات الحياة، ويتفرع عن هذه الرؤية نظريات ترتكز على البعد المادي للكون وأن المعرفة المادية المصدر الوحيد للأخلاق وأن الإنسان يغلب عليه الطابع المادي لا الروحي ويطلق عليها أيضاً العلمانية الطبيعية المادية.. ومع التغلغل الشديد للدولة ومؤسساتها في الحياة اليومية للفرد انفردت الدولة العلمانية بتشكيل رؤية شاملة لحياة الإنسان بعيدة عن الغيبات، واعتبر بعض الباحثين العلمانية الشاملة هي تجلي لما يطلق عليه"هيمنة الدولة على الدين"وقياساً على ذلك فلقد مرت العلمانية بثلاث مراحل أساسية:
1)مرحلة التحديث: حيث اتسمت هذه المرحلة بسيطرة الفكر النفعي على جوانب الحياة بصورة عامة، فلقد كانت الزيادة المطردة في الإنتاج الهدف النهائي من الوجود في الكون ولذلك ظهرت الدولة القومية العلمانية في الداخل والاستعمار الأوروبي في الخارج لضمان تحقيق هذه الزيادة الإنتاجية، واستندت إلى رؤية فلسفية تؤمن بشكل مطلق بالمادية وتتبنى العلم والتكنولوجيا المنفصلين عن القيمة، وانعكس ذلك على توليد نظريات أخلاقية ومادية تدعو بشكل ما لتبسيط الحياة، وتأكل المؤسسات الوسيطة مثل الأسرة.
2)مرحلة الحداثة: وهي مرحلة انتقالية قصيرة استمرت فيها سيادة الفكر النفعي مع تزايد وتعمق آثاره على كافة أصعدة الحياة، فلقد واجهت الدولة القومية تحديات بظهور النزعات الأثنية، وكذلك أصبحت حركيات السوق (الخالية من القيم) تهدد سيادة الدولة القومية، واستبدل الاستعمار العسكري بأشكال أخرى من الاستعمار السياسي والاقتصادي واتجه السلوك العام نحو الاستهلاكية الشرهة.