وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فتنٍ تَزيغُ فيها القلوب، وتحارُ العقول، يصبحُ فيها الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا قليل [1] . لربما باع دينه بسلامة نفسه مما يتوهَّمه خطرًا، أو باعه ببقاء ماله أو جاهه أو ولده، وكل ذلك من عَرَض الدنيا القليل، ولربما باعه بما هو أقل من ذلك ثمنًا، أو باعه بلا ثمن، فخسر الآخرة ولا ربح من الدنيا شيئًا، نسأل الله العافية.
ومن أهم ما يجب على المسلم العناية به في أحوال المحن: سلامة قلبه من الفتن، وثباته على الحق المبين؛ وذلك لا يكون إلا بولاء العبد لله - تعالى - ولدينه، ولأوليائه المؤمنين، لا يحابي في ذلك قويًّا لقوته؛ لعلمه أن الله - تعالى - أقوى، فكان الولاء له وحده أوجب. ولا يجامل قريبًا لقرابته أو صديقًا لصداقته؛ لأنهم لن ينجوه من عذاب الله - تعالى - شيئًا.
لا يقبل المساومة على دينه، ولا يتنازلُ عن شيء من شريعة ربه مهما كلف الأمر، وإذا جاء من ينازعُه في ذلك جاهده بقلبه ولسانه ويده؛ حتى يدفع شره، ويُزيل خطره، مستعينًا بالله - تعالى - متوكلاً عليه.
ما أحوج الأمة المسلمة، وهي تشهد تسلط القوى الجبارة على المسلمين إلى مزيد من الثبات على الحق، والتمسكِ بأهداب الدين القويم، والعمل بأحكام الشريعة في الشؤون كلها، صغيرها وكبيرها، والاجتماع على الكتاب والسنة قولاً وعملاً، والاعتصام بالله وحده، والتوكل عليه، فهذا هو المخرج الوحيد من هذه الأزمة الخانقة، وفيه النجاة للأفراد والجماعات في الدنيا والآخرة.
إن التوكّل على الله - تعالى - والاعتصام به وحده كان هو الملجأ الذي لجأ إليه المرسلون - عليهم السلام - من بطْشِ الجبابِرة والمستكبرين وأَنْعِمْ به من ملجأ؛ فالله - تعالى - نعم المولى ونعم النصير.