وما ربْطُ علماءِ التفسير ذاتَ المفسِّر بمجموعة من العلوم المعروفَةِ إلا من قبيل ضبط هذه الذات حتى لا تَجْمَحَ وتشتَطَّ.
لقد اشْتَرَطَ المفسِّرُون -حرصاً على النص القرآني، وحياطةً له من أن تَقْتَحِمَهُ الشطحات الذاتية، والتصوُّرَات الشخصية، والخَيَالُ الجامِحُ النَّافِرُ- في المفَسِّرِ معرفةَ مجموعةٍ من العلوم والمعارف، ولم يُجِيزوا له أن يقتحم ساحة التفسير أو التأويل من غير أن يُلِمَّ بِهَا، ويتَعَمَّقَ معرفَتَهَا ودَرْسَهَا؛ من ذلك معرفة علوم العربية؛ من نحو، وصرف، وبلاغة، وغريب، ومعرفةِ القراءات، وأصولِ الدين، وأصولِ الفقه، ومعرفةِ الحديث، ثُمَّ معرفةِ علومٍ هامة تَتَّصِلُ بالنص القرآنيِّ نَفْسِهِ؛ لأنها تضعه في إطاره الصحيح وَفي ظُروف نزوله، وهذه العلومُ هي معرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمكيّ والمدنيّ، وما شاكَلَ ذلك.
وهكذا تنْضَبِطُ ذاتُ المفسِّرِ، ويقومُ التوازُنُ المطلوبُ بينها وبين الموضوع، فيكون التفسير عندئذ منهجيّاً وحيويّاً؛ هُوَ منهجيٌّ لأنه يستند إلى قوانينِ اللغة وضوابِطِهَا، وحيويٌّ لأنه يعطي الذات المفسِّرَةَ حقَّهَا في التأمُّلِ والاجتهاد والنفاذ..
ــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر كتابه (( نظرية الأدب ) )ترجمة ثائر ديب (( دمشق: 1995م) ص 247.