لقد أسرف التفكيك الحديث -وهو يُرِيدُ إِبْرَازَ هذه الذات، والتأكيد على حضورها- في تَضْخِيم دَوْرِهَا، والاعتداد بها، حتى كادت تكونُ هي كُلَّ شيء، اسْتَعْلَتْ على الموضوع، بل صار هذا الموضوعُ تابعاً لها، يمشي في ظِلِّهَا، ويخضع لسُلْطَانِها؛ فنشأ عن هذه المبالَغَةِ والغلوِّ في تقدير دورها عدمُ الاعتداد بالعَلاقة بين الدالِّ والمدلول، أي بين اللفظ وما يعبر عنه، بل بَلَغَ الغُلُوُّ حدَّ التشكيك في هذه العلاقة أصلاً، وبذلك تَميَّع الموضوع؛ أي النص، وفَقَدَ مِصْدَاقِيَّتَهُ، ولم يَعُدْ أيُّ نص قادراً على أن يقول شيئاً مُحَدَّداً، أصبح كل شيء فيه -كما يقول (تيري إيغلتون) : (( مُنْزاحاً ومُتَقَلْقِلاً دوماً، شبه حاضر وشبه غائب.. ولم يَعُدْ في أية قطعة لُغوية يُعْرَفُ عما تتحدث.. لأن ما تقولُهُ عن مثل هذه الأشياءِ لن يكون أَكْثَرَ من نتاج عابر للدالِّ، ولن يُؤْخَذَ بالتالي على أنه حقيقي أو جِدِّي بأي معنًى من المعاني ... ) ) [1] ، وأُسْنِد التفسير إلى الذات وحْدَها، وَأُعْطِيَتْ حَقَّ أن تتحكم في الموضوع، وأن تُقَوِّلَهُ ما تريد؛ أصبح السُّلْطَانُ لها، وَتَقَهْقَرَ النص أمامَها، حتى لم يبق له حضور إلا من طريقها، بل زُعِمَ أنها هي التي تُوَلِّدُهُ!
ولا شك أن هذا الغلوَّ في تقدير دور الذات اتجاه خطير في التفسير، وقد قاد إلى كثير من المَزَالِقِ والانحرافات التي ليس المجال الآن مجالَ ذِكْرِها.