ذلك أن الدعوة تشتمل على التعريف بالله وصفاته وتنزيهه وتقديسه وتسبيحه، وهي حث للعباد على القرب من مولاهم لإدخالهم في حظيرة الإيمان والتقوى، وحين يتحقق ذلك يكثر ذكر الله بإبلاغ أمره ونهيه، ألا ترى إلى خطاب الله لنبيه موسى عليه السلام في الآية قبيل ذلك: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} [35] ، ثم خطابه وأخيه فيما بعد وهما يقومان بمهمة الدعوة: {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [36] . أي: لا تضعفا في تبليغ الرسالة. إذن فتعليلهما بالتسبيح والذكر الكثيرين يعني تحقيق الدعوة نجاحها [37] .
أما الإمام أبو السعود في تفسيره فينظر إلى ذلك من زاوية أخرى، حين يقرر أن التسبيح والذكر في الآية ليس مراداً بهما ما يكون بالقلب أو في الخلوات، فهذا لا يتفاوت حاله عند التعدد والإنفراد، بل المراد ما يكون منهما في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة والعتاة إلى الحق، وذلك مما لا ريب في اختلاف حاله في حالتي التعدد والإنفراد فإن كلاًّ منهما يصدر عنه بتأييد الآخر من إظهار الحق ما لا يكاد يصدر عنه مثله في حال الإنفراد [38] .
وفي الختام يقول موسى عليه السلام مخاطباً ربه: {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً} أي: إنك أنت العالم بأحوالنا وبأن التعاضد مما يصلحنا [39] .
ولما بسط موسى عليه السلام حاجته، وكشف عن ضعفه، طالباً العون والتيسير، متوسلاً بالإتصال والذكر الكثير، جاء الجواب من العلي الأعلى: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} .
أقسام الناس في التعاون:
يقسم الماوردي - رحمه الله - الناس بإعتبار ما يقدمونه من معاونة وما يحققونه من معاني الأخوة والتعاون إلى أقسام أربعة:
الأول: من يعين ويستعين.
الثاني: من لا يعين ولا يستعين.
الثالث: من يستعين ولا يعين.
الرابع: من يعين ولا يستعين.