فهرس الكتاب

الصفحة 3601 من 19127

1 -لم يكن للحفر المعرفي أي معنى لو كانت الأمورُ واضحةٌ أمامنا تمامَ الوضوح، فالتفكير مسألة شاقة جداً، ولا يلجأ إليه الإنسانُ إلا عند الضرورة، ومن المعروف أن ما متَّعنا الله -تعالى- به من حواس اللمس والشم والذوق والسمع والبصر هي النوافذ التي يطلُّ منها العقلُ على الوجود، وحين تغلق إحدى تلك النوافذ لسبب من الأسباب، فإن المرء يُحرم إدراكَ كل ما يمكن أن يتصل به من خلال تلك النافذة، فالذي يفقِد بصرَه يُحرم رؤيةَ كل ما يراه المبصرون، وحين يكون فقدُ البصر مبكراً جداً -في السنة الأولى من الحياة مثلاً- فإن الكفيف يكون عاجزاً عن تصور ما يحدِّثه الناسُ عنه من الألوان وغيرها. لكن المشكلة ليست مشكلة النوافذ المغلقة فحسب، فهناك أيضاً مشكلة النوافذ المفتوحة، فهناك أشياء كثيرة نؤمن بوجودها إيماناً قاطعاً، ولا نملك أي حاسة لإدراكها، كما هو الشأن في الملائكة والجانّ... وكما هو الشأن في الكهرباء والموجات اللاسلكية... إذن نحن نشعرُ دائماً بالعجز عن ملامسة كل ما نؤمن بوجوده، كما نعجز عن تكوين تصور واضح عنه، وهذا كله يدعونا إلى الاستمرار في البحث والتنقيب لعلنا نعثر على ما ينقع الغُلَّة، ويشفي الصدور. لكن من المهم هنا أن نقول: إن معظم الناس لا يجدون لديهم الطاقةَ الروحية لمتابعة البحث، وطرح الأسئلة، ومحاولة العثور على أجوبة جيدة لها، ولهذا فإن الناسَ كثيراً ما يستسلمون، ويعلنون عجزَهم وجهلهم، وفي بعض الأحيان يروُون ظمأهم إلى الوقوف على الحقيقة من خلال الخرافات التي يبتدعونها، ومن خلال الشائعات والادعاءات التي يتناقلونها، والتي لا تثبت في الغالب أمام أي تمحيص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت