والأناة مطلوبة في العلماء وذوي الرأي والوجاهة إذا تكلموا أو كتبوا، فمنَ المفروض فيهم أن يتأنَّى الواحدُ منهم في الإجابة إذ سئل عن حكم شرعيٍّ ، أو حادثة تاريخية، أو موقف من المواقف.. فلا يتسرع؛ بل يُعْنى بفَهم السؤال أولاً، وهل هو بريء، ثم يرجع إلى الكتب والمصادر العلمية حتى إذا استوثق من وقوفه على جلية الأمر نظر مرة أخرى في الجواب، وسأل نفسه: هل من المصلحة أن أُجيب أم من المصلحة أن أُعرِض عن ذلك؟ وإذا ترجَّح لديه أن المصلحة أن يُجيب نظر في الأسلوب الذي ينبغي أن يكون عليه الجواب.
إن ذلك يستغرق وقتاً ليس باليسير.. وهو بذلك ينجو من المسؤولية أمام الله، وينجو من الحَرَج أمام الناس.
والأناة مطلوبة من الطالب الذي يدخل قاعة الامتحان ويُعطى ورقةَ الامتحان.. إن عليه أن يتأنَّى، وينظر فيها بتأملِ واعٍ، ويفهم الأسئلة، ثم يشرَع بالإجابة، ولا يَعجَل. ذلك أن واضعي الأسئلة يقدِّرون الوقت الذي تحتاج إليه الإجابة.. فعلى الطالب أن يتأنَّى ويستوفي حقَّه كاملاً.. ولا يستعجل.. ويعيد نظره في الإجابة.. إن هذا التأني يضمن له السداد في الرأي والنجاح في الامتحان.
والأناة مطلوبة من الفتى الذي يريد الزواج، ومطلوبة من أهل الفتاة المخطوبة، ومنها أيضاً؛ فلا يجوز أن يتسرَّع أيٌّ منهما في إبرام الأمر؛ بل على كل من الطرفين السؤالُ والبحث، والاستشارة، والاستخارة، والتثبت من صلاحية هذا الاختيار.
فإذا تأنَّي كلٌّ منهما ودَرَس الوضع بتعمُّق، وبنى على ذلك القرار بالسلب أو بالإيجاب كان ذلك - إن شاء الله - محققاً للسعادة والنجاح في بناء الأسرة الفاضلة.
أما إذا كان تسرُّعٌ في هذا الأمر واستعجالٌ كان احتمالُ الإخفاق في ذلك وارداً.. إن التأني محمودة نتائجُه في هذا الموضوع، وفي غيره من الموضوعات.. وتكاليف الزواج أضحتْ في هذه الأيام مُرهِقةً.