فهرس الكتاب

الصفحة 2961 من 19127

ليس بين كتّاب هذا العصر من لم يقرأ في التاريخ القديم متناقضات الحكم على الأشخاص، وليس بينهم مَنْ لم يتمَنَّ أن يكون في موضع أولئك المؤرخين المتطرفين، حتى لا يغلو غلوَّهم، ولا يتطرف تطرفهم في أحكامهم.

أيها الكتَّاب المحزونون، لا يحزُنْكم ما كان، فقد قُضي ذلك الزمان بخيره وشره، ولا سبيل إلى رجوعه ، ولئن فاتكم أن تكونوا مؤرخي العصر الماضي، فلن يفوتكم أن تكونوا مؤرخي العصر الحاضر، وكما أنَّ للماضي مستقبلاً وهو حاضركم هذا، فسيكون لهذا الحاضر مستقبل آت يحاسبكم فيه الرجال على إغراقكم في أحكامكم، كما تحاسبون اليوم رجال الماضي على غلوِّهم في أحكامهم، وتطرفهم في آرائهم.

إنَّ من المتناقض بين أقوالكم وأعمالكم أن تنقموا من المؤخرين المتقدمين ما أنتم فاعلون اليوم، وتأخذوا عليهم ما أنتم به آخذون.

كل كاتب عندكم أكْتَبُ الكتَّاب، وكل شاعر أشعر الشعراء، وكل مؤلف أعلم العلماء، وكل خطيب رئيس الأمة؛ وكل فقيه إمام الدين، فأين الفاضل والمفضول؟ وأين الرئيس والمرؤوس، وكيفَ يكون زيدٌ اليوم أفضل من عمرٍو، ويكون عمرٌو غدًا أفضل منه، وأين ملكة التمييز التي وهَبَكُم اللَّه إيَّاها لتُمَيِّزوا بها بين درجات الناس ومنازلهم؟ وهل بلغ التفاوت بينكم في عقولكم وأذواقكم أن يكون الرجل الواحد في نظر بعضكم خير الناس، وفي نظر البعض الآخر شر الناس؟!

إني حبست الآن قلمي عن الكتابة؛ لأتجرد من نفسي ساعة من الزمان. فتخيلت كأني رجل من رجال العصور الآتية، وأني ذهبت إلى دار من دور الكتب القديمة؛ لأراجع تاريخ أحد عظماء عصركم هذا، فقرأت ما كتبتموه عنه في كتبكم وجرائدكم، فرأيته تارة عظيمًا، وأخرى حقيرًا، ومرة شريفًا، ومرة وضعيًا، ورأيته عالمًَا وجاهلاً، وذكيًّا وغبيًّا، وعاقلاً وممرورًا [1] ، في آن واحد فخرجت أَضَلَّ مما دخلت، لا أعرف من تاريخ الرجل أكثر من أنه رجل، أي أنه ذكر بالغ من بني آدم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت