فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء.
قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون وبينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة [69] .
ومن الأمثلة التي تدل على جرأته وقوله الحق دون مراعاة لقرابة أو صلة موقفه من ابن أبي بكر عبدالله صاحب التصانيف.
فقد قال عنه: (( ابني عبدالله كذَّابٌ ) ) [70] .
طلابه
يبدو أنّ الرجل كان يخترع في كيفية خياطة الملابس ما يتلاءم وحياته، فهو قد وقف نفسه على العلم، فكل ما يساعده من اللباس على حمل الكتب واصطحابها فهو اللباس الجيد، لأن العلم أضحى عنده كل شيء؛ ذكروا أنه كان له كم واسع وضيق، ولما سئل قال: الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه [71] .
وما سأله السائل عنه إلا لأنه شيء غريب لم يؤلف.
أقواله
كان الرجل حكيمًا، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفًا، وصاحب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم جدير بأن تفيض الحكمة على لسانه.
وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل المأثورة الجميلة. فمن ذلك قوله: الشهوة الخفية حب الرئاسة" [72] ."
وقوله:"خير الكلام ما دخل الأذن بدون أذن" [73] .
وقوله:"من اقتصر على لباس دونٍ ومطعم دونٍ اراح جسده" [74] .
وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى إليها المؤلف بعد علم ونظر وتمرس بالحياة الفاضلة.
ومما يدل على سيرته وعلى بصره بالعلم العملي وفقهه الحق في الدين قوله متحدثًا عن كتابه السنن (جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائه حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله صلى الله عليه وسلم:(( الاعمال بالنيات ) ).
وقوله صلى الله عليه وسلم (( من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) ).
والثالث قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه ) ).