ومما ورد أيضاً من الآثار عن التابعين التي تدل على عملهم بهذه السنة العظيمة المنسية في زماننا:
ما رواه الذهبي في السير (16/176) قال الحسن بن محمد: (قحط الناس في بعض السنين آخر مدة الناصر، فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس، فصام أيامًا وتأهب، واجتمع الخلق في مصلى الربض، وصعد الناصر في أعلى قصره ليشاهد الجمع، فأبطأ منذر، ثم خرج راجلا متخشعًا، وقام ليخطب، فلما رأى الحال بكى ونشج وافتتح خطبته بأن قال: سلام عليكم، ثم سكت شبه الحسير، ولم يكن عادته، فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه، ثم اندفع، فقال: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} الآية [الأنعام: 54] استغفروا ربكم وتوبوا إليه، وتقربوا بالأعمال الصالحة لديه، فضج الناس بالبكاء، وجأروا بالدعاء والتضرع، وخطب فأبلغ، فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم. واستسقى مرة، فقال يهتف بالخلق: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} الآيتين [فاطر: 15- 16] فهيج الخلق على البكاء) .
وجاء أيضاً في السير (5/92) قال الأوزاعي: خرجوا يستسقون بدمشق، وفيهم بلال بن سعد، فقام فقال: يا معشر من حضر! ألستم مقرين بالإساءة؟ قلنا: نعم، قال: اللهم إنك قلت: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} [ التوبة: 91 ] وقد أقررنا بالإساءة، فاعف عنا واسقنا، قال: فسقينا يومئذ.
هذه بعض الروايات عن الصحابة والتابعين لهم، وما جاء عنهم من أخبار تبين امتثالهم لهذه السنة العظيمة، واستجابة الله، وإرسال السماء عليهم مدراراً رحمة بهم ومغفرة لهم.
فهذه الرسالة تدعو لإحياء هذه السنة العظيمة والعمل بها، والعض عليها بالنواجذ، وتهيب بعلمائنا وصالحينا وعبّادنا وكل من يحبون الخير لهذه الأمة، بالدعاء والتضرع والاستسقاء للبلاد.