وبسبب هذه الاعتبارات كلها يسهل أن تغزى الأمم المتوحشة غزوًا فكريًا، أما الأمم العريقة المتحضرة فإنها سرعان ما تنهض وتقاوم وتنتصر لأن روحها لا تموت.
ولقد عرفت الأمة العربية الغزو العسكري مرارًا عديدة دون أن تعرف الغزو الفكري. ووجه ذلك أننا كنا في الماضي مصدر المعرفة والضياء في العالم، وقد أعطينا حضارتنا إلى الأمم المجاورة حتى ونحن مغزوون يحكمنا الأجانب، ومن أبسط الأدلة على هذا أن الفرس الذين حكموا الأرض العربية فترة، لم يحكمونا إلا عسكريًا لأننا كنا خلال ذلك نحكمهم فكريًا، فلم يغادروا أرضنا إلا وقد اتخذوا ديننا ولغتنا. ولذلك تعج لغتهم اليوم بآلاف الكلمات العربية، فإذا تكلم الفارسي بفصحى الفارسية تحول كلامه إلى العربية مع تغيير بسيط في قواعدها.
وأما في عصرنا هذا، بعد قرون الغزو الطويلة التي انهكتنا وشلت حياتنا، فإننا فقدنا القيادة العلمية والصناعية، وبات علينا أن نتعلم الدروس التي فاتتنا. ولقد كان يمكن لنا أن نختار ما نأخذ عن الغرب، فلا نسمح له أن يمس روحيتنا وجوهر حضارتنا، غير أن الذي وقع غير ذلك فقد غزانا الغرب على جبهات حياتنا كلها فلم يترك جانبًا إلا حاول اقتحامه وهدمه. وقد كنا حتى الآن سلبيين في موقفنا من الغزاة، فتركناهم يغيرون نظام بيوتنا وطراز مدننا، وسمحنا لهم أن يلقنونا آداب مجتمعهم في السلوك والمعاملة وأسلوب الحديث وبتنا نلبس ما يلبسون ونأكل ما يأكلون. وما من شك في أن بعض ما أخذناه عنهم نافع وإنما ننكر موقفنا العام من هذه المدنية الوافدة. فقد بتنا نترك ما هو جوهري في حضارتنا وما نتفوق به على الغرب، لنأخذ مكانه بضاعة رخيصة تضر بنا.