إن الإنسان المعاصر توصل إلى كثير من الحقائق الكونية، واكتشف كثيرًا من أسرار الأرض وعجائبها وكنوزها، وسخر ثرواتها في خدمته ورفاهيته، وطور الصناعات والتجارات والاتصالات، وكلَّ ما يحتاجه في حياته الدنيا؛ لكن أكثر البشر جهلوا الحقائق الشرعية، وأضلوا الطريق إلى الله - تعالى - ونسوا الدار الآخرة.
إن الإعلام بصحفه المقروءة، وشاشاته المعروضة، وإذاعاته المسموعة قد ضخ كثيرًا من العلوم والمعارف في مجالات مختلفة، وبين حقائق كثيرة كانت خافية على الناس؛ لكنه في نفس الوقت وفي كثير من مجالاته قد حجب الحق، وزين الباطل، وأضلّ الناس.
إنه إعلامٌ علّم الناس كثيرًا من أمور دنياهم؛ لكنه أنساهم أخراهم، فصدق في كثير من صنَّاع مادته، والقائمين عليه، والمتلقين عنه: قولُ الله - تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الرُّوم: 7] .
ومن اطلع على ما يعرض في كثير من الفضائيات من مناظرات سياسية، أو برامج حوارية، أو لقاءاتٍ دورية يجد أنها لا تخرج عن كونها مجادلات ومهاترات، لا يقصد منها إحقاق حق، أو إبطال باطل، أو نفع المشاهد؛ بل المقصود منها إقناع المشاهد برأي أو فكرةٍ ولو كانت خاطئة.
ولم تسلم كثير من البرامج الدينية من هذه الخطيئة المنهجية، فأكثرها برامجُ موجهة، لا تهدف إلى رفع مستوى التديّن في الأمة، وغرس مبادئ الالتزام بتعاليم الإسلام؛ ولكنها تسعى إلى تمييع الإسلام، وتطويعه لضغط الواقع، وحاجات العصر؛ وذلك بإيجاد المخارج، وإحياء الأقوال المهجورة، والفتاوى الشاذة الضعيفة، بقصد تقريب الإسلام من المناهج المادية العلمانية.