فهرس الكتاب

الصفحة 19086 من 19127

وبما أن صاحبنا منح ذكاءً وحسنَ بيان؛ فقد يلتبس تشقيقُه وما يقولُ على بادي الرأي، بيدَ أنه متى عَرَضَ قِيلَه على من هو مثلُه أو فوقه؛ بدا مكمنَ الخلل ومحل الإشكال جلياً، غير أن كثيراً من الأذكياء - وإن لم ترسخ في العلم قدمه - قد يغترُّ بعقله، وبما حَصَّل، ولاسيما إن كان مبرزاً في علم من العلوم، فلا تراه يراجع أحداً، إلاّ بعد أن يصدر رأياً، فتثور بسببه زوبعة.

وبعضهم لا يزيده الإنكار بعدها إلاّ إصراراً؛ لأن بعض المنكرين الأفاضل لم يبلغوا من العلم والذكاء ما بلغ، بيد أنهم يتبعون الراسخين من العلماء المرضيين، فيجد هذا في أجوبة أولئك المنكرين مفاصل ضعيفة، يشغل نفسه بإبانتها، والموفق من أولئك الأذكياء مَن نظر إلى الصواب في قول الرادِّ، فراجع نفسه، ورد الأمر إلى الراسخين.

ولعل من أنجع السبل التي يُمَيَّز بها طرحُ أولئك الأذكياء؛ ترك التعني بتتبع تشقيقاتهم، وإلقاءُ نظرةٍ كلية على ما تخدمه المادة من المقاصد والأهداف العملية في واقع الناس - لا ما يزعمونه ويصورن أنهم يهدفون إليه - بعيداً عن كل تهويل ليس عليه مُعَوَّل.

فإن النظرة الفاحصة الكلية تبين الهدف الواقعي، الذي يخدمه ذلك الضجيج، إن كان له حقاً هدف!

وإذا تبين الهدف أمكن الحكم عليه انحطاطاً وسمواً، وضوحاً وغموضاً.

وإذا شئت أن تُكفَى عناءَ هذا كلِّه؛ فاعرضِ المسألة على أهل العلم الراسخين، والأئمة المَرضِيِّين، وانظر قولهم، وردَّ الأمر إليهم، كما أمر ربنا تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل:43،الأنبياء:7] .

فإذا رأيت العلماء المرضيين على غير ما يقرره الأذكياء المتفيهقون؛ فاعلم أن هذا مؤشرٌ كافٍ يشير إلى محل الصواب! فإن صدق فذاك، وإن خاب مرة فلن تخسر كثيراً ما دمت في صف الراسخين من أهل العلم، والمرضيين من علماء الأمة، الذين لن يجتمعوا على نكرٍ، ولن يذهب جمهورُهم - غالباً - شططاً، نحو رأي مأفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت