وَلَمْ يَلْبَثْ إلاَّ قَلِيلاً حَتَّى جَاءَتِ الشَاحِنَاتُ وَحَمَلتِ الأَكْيَاسَ وَابْتَعَدَتْ بِهَا.
وَعنْدَ وُصُولِ الأَكْيَاسِ إِلى الطَاحُوْنَةِ دُهِشَ قَمْحَانُ لِسَمَاعِهِ لُغَاتٍ أَجْنَبيَّةً مُتَعَدِّدَةً لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهَا مِنْ قَبْلُ، وقَرَّرَ أَنْ يَجدَ أَجْوِبَةً لِبَعْضِ أَسْئِلَتِهِ؛ فَاقْتَرَبَ مِنْ غَرِيبٍ بَدَا أَنَّهُ خَبِيرٌ ومُهِمٌّ.
عَرَّفَهُ الغَرِيبَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ مُفَسِّرًا: (( إِنَّ القَمْحَ يَأْتِي إلى الطَاحُونَةِ مِنْ مُخْتَلِفِ بِقَاعِ العَالَمِ بَعْدَ أَنْ يَجْريَ فَحْصُهُ طِبِّيًا لِفَصْلِ السَلِيمِ مِنْهُ عَنِ المَرِيضِ. ثُمَّ يَتِمُّ مَزْجُ الحُبُوبِ السَلِيمَةِ بِنسبٍ مُتَفَاوِتَةٍ لإِنْتَاجِ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الدَّقِيقِ ) ).
ثُمّ بَيَّنَ الخَبِيرُ لِقَمْحَانَ كَيْفَ تُغْسَلُ الحُبُوبُ أَولاً غَسْلاً جَيَّدًا للاِطْمِئْنَانِ إِلى أَنَّهَا أَصْبَحَتْ نَظِيفَةً، ثم تُجَفَّفُ وَتُلْقَى في الغِرْبالِ مِنْ أَجْلِ أَنْ تُنَقَّى، وَيُنْزَعَ عَنْهَا كُلُّ القَشِّ والأَجْسَامِ الغَرِيبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَالِقَةً بِهَا.
فَقَالَ قَمْحَانُ لِنَفْسِهِ: (( هذا هُوَ السبب إذَنْ فِيمَا هِيَ عَلَيْهِ الآنَ مِنَ النَضَارَةِ وَالتَأَلُّقِ وَالجَمَال!! ) ).
ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: (( وَمَا الّذِيْ يَحْدُثُ بَعْدَ ذلك؟ ) ).
فقَالَ الخَبِيرُ مُوَضِّحًا:
(( تُنْقَلُ الحُبُوبُ بالحِزَامِ النَاقِلِ لِتُطْحَنَ في آلاَتٍ ضَخْمَةٍ فَتَتَحَوَّلَ إِلى دَقِيقٍ.
ثُمَّ يُنْخَلُ الدَقِيقُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ لِفَصْلِ النُخَالَة عَنْهُ فَيُصْبِحُ طَحِينًا أَبْيَضَ جَمِيلَ المَنْظَرِ )) .