ردّ الآمدي - صاحب كتاب الموازنة بين الطائيين: أبي تمام والبحتريّ - على تهمة وجّهها إليه أنصار أبي تمام، بأنه لم يفهم ما قصده شاعرهم من كلامه، بهذه العبارة النقدية المهمة، التي تضع قاعدة موضوعية دقيقة للتأويل:
قال الآمدي: (( ليس العمل على نية المتكلّم، وإنما العمل على ما توجبه معاني ألفاظه.. [4] ) ).
وهي عبارة تُستنبط منها - على وجازتها - مجموعةٌ من الأحكام التي تتعلّق بتأويل الكلام أو تفسيره، منها:
1 -أن النص وحده هو المخوَّل بإعطاء الدلالة، وفرز المعنى المراد، ومنه وحده تُستنبط الأحكام، وتُستخرج المفاهيم، وبذلك يحتفظ النص - بما تعطيه معاني ألفاظه - بهيبته ومكانته وسلطانه، ولا يعتدي عليه معتدٍ.
2 -أن فكرة (( المعنى في بطن القائل ) )- كما يقول بعضهم - غير صحيحة، لأن الناقد لا يعوِّل على نيات المتكلِّم، وهو غير قادر على ذلك أصلاً: لا شرعاً ولا عقلاً؛ فالنيات لا يعلمها إلا علاَّم السَّرائر، والناقد ليس عرَّافاً ولا قارئ فنجان، وإنما هو متلقٍّ يقوم بنشاط عقلي منطقي تمليه لغة النص الذي أمامه، وطبيعة ألفاظه وعباراته.
وهذا عندئذٍ يلغي فكرة (( مقصدية المتكلِّم ) )ويحيل على مقصدية النص، ويعطيه السلطان على نحو ما فعلت البنيوية بعد ذلك بقرون.
3 -أن سلطان القارئ، أو سلطان المتلقي - خلافاً لما يقوله التفكيكيون وأصحاب نظرية التلقي - منضبطٌ بالنص المقروء، محكوم بدلالة ألفاظه، ومعاني عباراته، وليس سلطاناً مطلقاً، يجعل هذا القارئ يؤوِّل النص كما يشاء، أو يقرؤه على هواه، حتى ليقوِّله ما لم يقل، أو ينطقه بما لم ينطق.