ولم يكن حاله صلى الله عليه وسلم كحال الكثيرين ممن لا يفرق بين خطابه الموجه لوالده والموجه لأحد زملائه، أو أولئك الذين يلينون بين يدي أصدقائهم ويجفون على أزواجهم وأهلهم.
أن مما يدعو للعجب حال أولئك الذين يعشقون اليسير عكس التيار، فإن بعض الناس تجده في المناسبة المفرحة كالزواج مثلاً عابس الوجه واجماً يسير ببطء ويديم النظر في الأرض كأنه يبحث عن شيء ضائع، مما يثير دهشة الآخرين بل وقلقهم وحيرتهم ويبعث في النفوس إيحاء بأن خطباً جسيماً ألمّ ومصيبة عظيمة حلت.
وتجد هذا الشخص الكئيب في المناسبات السارة فرحاً مسروراً مستبشراً في مواقف محزنة، قد أكثر من حركته وتعالت ضحكاته ووزع الابتسامات يمينناً ويساراً ولا يزال يثرثر حتى تقول:"ليته سكت".
وكم تجد من هذا الصنف في المقبرة وأنتم تودعون أخاً عزيزًا فما يراك هذا الثرثار حتى يقبل نحوك مندفعاً اندفاع السهم ويسلم عليك سلاماً حاراً ويأخذك بين أحضانه ثم لا ينسى أن يختم ثرثرته قائلاً: (فرصة سعيدة!) .
أما عن اضطراب القول عند هذا الصنف فحدث ولا حرج، فكم يدخل عليك أحدهم يعودك في وعكة ألمت بك فيسرد لك قائمة طويلة بأسماء من وافتهم المنية لماّ أصابهم هذا الداء الذي أصابك، ثم يعرج بعد ذلك معبراً عن إشفاقه الشديد لتدهور صحتك واحمرار عينيك وجفاف شفتيك، كما لا ينسى وهو يغادر أن يقول لأهلك إذا حصل أمر الله فأخبرونا.
ومن هذا الصنف ذلك القارئ الذي طلب منه أن يقرأ آياً من الذكر الحكيم قبل عقد الزواج فلم يجد لهذا المقام إلا قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 230] .