وقد تكون الخصومة بسبب الأموال -وهي أكثر أنواع الخصومة وقوعا- إما في دينٍ لم يقضه صاحبه، أو في شركة اختصم الشركاء بسببها، أو في إرث تأخر الورثة في قسمته، أو وقف اختلفوا في فهم مراد الواقف، أو وصية لوارث أخطأ فيها الموصي، أو غير ذلك.
وحري بمن هو قريب من المتخاصمين أن يسعى بالصلح فيما بينهم، ولو أن يقترح وضع بعض الدين أو تأجيله أو تقسيطه، فإن كانت الخصومة بين شركاء أزال أسبابها، أو سعى في فض شراكتهما بالعدل، فإن كانت الخصومة بسبب إرث سعى في قسمته وفق شرع الله تعالى، وإن كانت وصية جور رفع الظلم وصحح الخطأ {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:182] وما من خصومة إلا لها أسبابٌ إن سعى المصلح في إزالتها زال الشقاق، وحلَّ مكانه الوفاق.
روى كَعْبُ بنُ مَالِكٍ رضي الله عنه: (أَنَّهُ تَقَاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْنًا له عليه في عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حتى سَمِعَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى: يا كَعْبَ بن مَالِكٍ، يا كَعْبُ، قال: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله فَأَشَارَ بيده أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ من دَيْنِكَ، قال كَعْبٌ: قد فَعَلْتُ) متفق عليه.
وروت عَائِشَةُ رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا وإذا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ في شَيْءٍ -أي دينٍ- وهو يقول: والله لَا أَفْعَلُ فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أَيْنَ الْمُتَأَلِّي على الله لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ فقال: أنا يا رَسُولَ الله وَلَهُ أَيُّ ذلك أَحَبَّ) متفق عليه.