اللهم اجعلنا نستشعر نعمة إدراك هذا الشهر إن أدركناه، وأتم علينا فيه نعمة العافية، واجعلنا نسخرها لعبادتك؛ فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا بك.. لقد كان سلفُنا الصالح يبتهلون إلى الله أن يبلغهم رمضان قبل ستة أشهر من بلوغه، ونحن تمضي علينا الأيامُ سريعاً ولا نشعر بقدومه إلا عندما توقظنا وسائلُ الدعاية والإعلام عن العروض الرمضانية كما يسمونها من أنواع الأطعمة وأواني الطبخ، وأدهى من ذلك الغفلةُ التي أصابت المفسدين في الأرض، من التسابق على شغل الناس؛ إذ تُعمر الفضائيات بالبرامج الهابطة والفوازير التي تجعل من ليالي رمضان نزهةً للمفرّطين، وذلك جعل المسلمين في ضياع وإبادة ونقص لأجور هذا الشهر الكريم، حتى تُولِّي أعمارُهم في سهو ولهو وخسران.
إذا لم يكن في السمع مني تصاوُنٌ وفي بصري غضٌّ وفي منطقي صمتُ
فحظّي إذاً من صومِيَ الجوعُ والظما فإن قلتُ إني صمتُ يومي فما صمتُ
رمضانُ عبادةٌ تقيمُها قلوبٌ ساجدة وأنفس خاشعة، تعمرُها التقوى التي صعُب على كثير من أهل هذا الزمان تحقيقُها.. التقوى زكاةُ النفس، فمتى زكت نفسُ العبد رضِيَه الله ولياً، وأحبّه وتولاه، ولا تتحقق التقوى إلا بأداء المحبوبات إلى الله والبعد عن مكارهه.. إنها الطريق الموصل إلى رضوان الله وجنته، التقوى التي كتب الصيام من أجلها؛ إذ يقول عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
رمضانُ يا حبيب الصالحين، ولهفة المشتاقين، يستبشر المؤمنُ بقدومك رجاء في بره سبحانه، وارتقاب فضله وإحسانه.. فيه تلين القلوب، وتصفو النفوس، وتسمو الهمم، وتُشغَل الجوارح بالأعمال الصالحة
شهر ضبط النفس، وملكة التقوى..