تِلكَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ جُملَةٌ مِن مَعَاني الحَجِّ الكَرِيمَةِ وَأُسُسِهِ العَظِيمَةِ، يَجِدُها مَن تَتَبَّعَ أَدِلَّتَهُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّ المُتَأَمِّلَ لَيَجِدُ مِن أَمثَالِها كَثِيرًا كُلَّمَا أَنعَمَ النَّظَرَ وَرَدَّدَ التَّدَبُّرَ، فَاتَّقُوا اللهَ - تعالى - وَحَقِّقُوا مَا شُرِعَتِ العِبَادَاتُ مِن أَجلِهِ، فَإِنَّ اللهَ - سُبحَانَهُ - قَد بَيَّنَ لَنَا في مَعرِضِ الحَدِيثِ عَنِ الحَجِّ أَنَّ النَّاسَ مُختَلِفُونَ، فَمِنهُم مَن يَطلُبُ الآخِرَةَ وَيَنشُدُ مَرضَاةَ رَبِّهِ، فَهُوَ بِأَعلى المَنزِلَتَينِ وَأَجَلِّ المَقصِدَينِ، وَمِنهُم مَن لا هَمَّ لَهُ إِلاَّ الدُّنيا وَمَتَاعُهَا، فَهِيَ حَظُّهُ مِن حَيَاتِهِ وَسَعيِهِ طُولَ عُمُرِهِ، وَمَا لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ، قال - سُبحَانَهُ: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 200 - 202] . وَالمُوَفَّقُ مَن أَدَّى حَجَّهُ بِنِيَّةٍ صَالحَةٍ خَالِصَة، وَمَالٍ حَلالٍ وَنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَعَطَّرَ لِسَانَهُ فيه بِذِكرِ اللهِ، وَصَاحَبَ عِبَادَتَهُ إِحسَانٌ وَنَفعٌ لِعِبادِ اللهِ، فَكُونُوا في حَجِّكُم كَذَلِكَ، وَأَخلِصُوا في دِينِكُم للهِ، وَاجتَهِدُوا في الأَعمَالِ الصَّالحةِ، {وَسَارِعُوا إلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] .
الخطبة الثانية