وَمِن مَعَاني الحَجِّ السَّامِيَةِ وَدُرُوسِهِ العَمِيقَةِ أَنَّ الأُمَّةَ عَلَى مُختَلِفِ أَجنَاسِها، وَتَعَدُّدِ دِيَارِهَا وَأَوطَانِها، وَكَثرَةِ شُعُوبِهَا، وَوَفرَةِ قَبَائِلِهَا وَاختِلافِ أَشكَالِهِم وَأَلوانِهِم وَلُغَاتِهِم، لا رَابِطَةَ تَربِطُهُم إِلاَّ رَابِطَةُ التَّوحِيدِ، وَلا نَسَبَ يَجمَعُهُم إِلاَّ نَسَبُ الدِّينِ، فمتى تمسَّكُوا بِهِ وَكَانُوا به إِخوَانًا مُتَحَابِّينَ، فَهُم قُوَّةٌ لا تُمَاثِلُهَا قُوَّةٌ، وَمتى ابتَعَدُوا عَنهُ أَو تَشَبَّثُوا بِغَيرِهِ مِن رَوَابِطِ الجَاهِلِيَّةِ أَو عُرَى الدُّنيا الفَانِيَةِ لم يَزدَادُوا إِلاَّ اختِلافًا وَافتِرَاقًا، وَلَن يَلقَوا إِلاَّ ذُلاً وَضَعفًا وَمَهَانَةً وَمَقتًا، وَلهذا وَلَمَّا كَانَت قُرَيشٌ في الجَاهِلِيَّةِ لا تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الحَرَمِ في حَجِّها، وَلا تَقِفُ مَعَ النَّاسِ في عَرَفَةَ استِكبَارًا وَاستِنكَافًا، جَاءَ كِتَابُ اللهِ لِيَقُولَ لهم: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] ، وَبُيِّنَ فيهِ أَنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ لِلنَّاسِ جمِيعًا: {سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ} [الحج: 25] ، ثم رَسَّخَ الحَبِيبُ - صلواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيهِ - ذَلِكَ في خُطبَتِهِ في عَرَفَةَ، حَيثُ قال: (( إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم حَرَامٌ عَلَيكُم؛ كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، في شَهرِكُم هَذَا، في بَلَدِكُم هَذَا، أَلا كُلُّ شَيءٍ مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحتَ قَدَمَيَّ مَوضُوعٌ، وَدِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعَةٌ ) )، ثم أَكمَلَ هَذَا - عَلَيهِ الصلاةُ والسلامُ - عَمَلِيًّا أَمَامَ النَّاسِ في نِهَايَةِ ذَلِكَ المَوقِفِ العَظِيمِ، حِينَ أَردَفَ مَولاهُ أُسَامَة بنَ زَيدٍ عَلى رَاحِلَتِهِ، ولم يَحمِلْ غَيرَهُ مِن أَشرَافِ بَيتِهِ، أَو عُظَمَاءِ قَومِهِ، أَو وُجَهَاءِ القَبَائِلِ