فهرس الكتاب

الصفحة 10043 من 19127

وأما الثاني فكان أفجرَ في الخصومة، وأعرقَ في الغباء، فلم يقرّ بعجزه وإفلاسه مع ما رأى من الآيات البينات والحجج الباهرات، إلى أن أحاط به اليمُّ من جميع الجهات؛ قال الله: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] ، وإن كان للمرء أن يعجب، فمِن إلهٍ دَعِيٍّ يقول لمن حوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] ، ويقول لمن لا ينقاد لعبادته: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29] ثم هو بعد ذلك يطلب ممن ينكر ألوهيته وربوبيته ويدعي أنها لغيره أن يأتيه بدليل على دعواه، لا على سبيل التحدي المحكوم على من يقبله بالعجز والإخفاق كما قال الله سبحانه: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 64] ، بل على سبيل الطلب الحقيقي!

ولهذا لما قال له موسى عليه السلام: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [الشعراء: 30] ، أي على وجود الله وأنه عليه السلام رسول الله، قال اللعين: {فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء:31] ، قال الله جل وعلا: {فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى} [النازعات:20، 21] ، وقد أخبر ربنا عن بقية القصة فقال: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} ! [غافر:36-37] ، أي: وإني لأظنّ موسى كاذباً فيما يقول ويدّعي من أن له في السماء رباً أرسله إلينا [2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت