قوله ع والله ما أرجو الراحة إلا بعد الموت وما ذا يعمل بالصالحين الذين آثروا فراق هذه العاجلة واختاروا الآخرة وهو ع سيدهم وأميرهم قلت لا منافاة فإن الصالحين إنما طلبوا أيضا الحياة المستمرة بعد الموت و
رسول الله ص إنما قال إن الدنيا سجن المؤمن لأن الموت غير مطلوب للمؤمن لذاته إنما يطلبه للحياة المتعقبة له وكذلك
قوله ع والله ما أرجو الراحة إلا بعد الموت تصريح بأن الراحة في الحياة التي تتعقب الموت وهي حياة الأبد فلا منافاة إذا بين هذه الوجوه وبين ما قاله ع لأنه ما نفى إلا الراحة في الموت نفسه لا في الحياة الحاصلة بعده .
فإن قلت فقد تطرأ على الإنسان حالة يستصعبها قيود الموت لنفسه ولا يفكر فيما يتعقبه من الحياة التي تشير إليها ولا يخطر بباله قلت ذاك شاذ نادر فلا يلتفت إليه وإنما الحكم للأعم الأغلب وأيضا فإن ذاك لا يلتذ بالموت وإنما يتخلص به من الألم و
أمير المؤمنين قال ما من شي ء من الملذات إلا وهو مملول إلا الحياة وبين الملذ والمخلص من الألم فرق واضح فلا يكون نقضا على كلامه . فإن قلت قد ذكرت ما قيل في حب الحياة وكراهية الموت فهل قيل في عكس ذلك ونقيضه شي ء قلت نعم فمن ذلك قول أبي الطيب
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
و حسب المنايا إن يكن أمانيا
تمنيتها لما تمنيت أن ترى
صديقا فأعيا أو عدوا مداجيا
و قال آخر
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا
في الموت ألف فضيلة لا تعرف
منها أمان لقائه بلقائه
و فراق كل معاشر لا ينصف
و قيل لأعرابي وقد احتضر إنك ميت قال إلى أين يذهب بي قيل إلى الله قال ما أكره أن أذهب إلى من لم أر الخير إلا منه . إبراهيم بن مهدي
و إني وإن قدمت قبلي لعالم
بأني وإن أبطأت عنك قريب
و إن صباحا نلتقي في مسائه
صباح إلى قلبي الغداة حبيب
و قال بعض السلف ما من مؤمن إلا والموت خير له من الحياة لأنه إن كان محسنا