أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا وَ لَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئًا إِلاَّ فَتَحَتْ لَهُ حِرْصًا عَلَيْهَا وَ لَهَجًا بِهَا وَ لَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهَا وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ وَ نَقْضُ مَا أَبْرَمَ وَ لَوِ اِعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظْتَ مَا بَقِيَ وَ اَلسَّلاَمُ هذا كما قيل في المثل صاحب الدنيا كشارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا والأصل في هذا
قول الله تعالى لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب وهذا من القرآن الذي رفع ونسخت تلاوته . وقد ذكر نصر بن مزاحم هذا الكتاب وقال إن أمير المؤمنين ع كتبه إلى عمرو بن العاص وزاد فيه زيادة لم يذكرها الرضي
أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن الآخرة وصاحبها منهوم عليها لم يصب شيئا منها قط إلا فتحت عليه حرصا وأدخلت عليه مئونة تزيده رغبة فيها
و لن يستغني صاحبها بما نال عما لم يدرك ومن وراء ذلك فراق ما جمع والسعيد من وعظ بغيره فلا تحبط أجرك أبا عبد الله ولا تشرك معاوية في باطله فإن معاوية غمص الناس وسفه الحق والسلام . قال نصر وهذا أول كتاب كتبه علي ع إلى عمرو بن العاص فكتب إليه عمرو جوابه أما بعد فإن الذي فيه صلاحنا وألفة ذات بيننا أن تنيب إلى الحق وأن تجيب إلى ما ندعوكم إليه من الشورى فصبر الرجل منا نفسه على الحق وعذره الناس بالمحاجزة والسلام . قال نصر فكتب علي ع إلى عمرو بن العاص بعد ذلك كتابا غليظا . وهو الذي ضرب مثله فيه بالكلب يتبع الرجل وهو مذكور في نهج البلاغة واللهج الحرص . ومعنى قوله ع لو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقي أي لو اعتبرت بما مضى من عمرك لحفظت باقيه أن تنفقه في الضلال وطلب الدنيا وتضيعه