و روى الشعبي قال دخل عمرو بن العاص على معاوية يسأله حاجة وقد كان بلغ معاوية عنه ما كرهه فكره قضاءها وتشاغل فقال عمرو يا معاوية إن السخاء فطنة واللؤم تغافل والجفاء ليس من أخلاق المؤمنين فقال معاوية يا عمرو بما ذا تستحق منا قضاء الحوائج العظام فغضب عمرو وقال بأعظم حق وأوجبه إذ كنت في بحر عجاج فلو لا عمرو لغرقت في أقل مائه وأرقه ولكني دفعتك فيه دفعة فصرت في وسطه ثم دفعتك فيه أخرى فصرت في أعلى المواضع منه فمضى حكمك ونفذ أمرك وانطلق
لسانك بعد تلجلجه وأضاء وجهك بعد ظلمته وطمست لك الشمس بالعهن المنفوش وأظلمت لك القمر بالليلة المدلهمة . فتناوم معاوية وأطبق جفنيه مليا فخرج عمرو فاستوى معاوية جالسا وقال لجلسائه أ رأيتم ما خرج من فم ذلك الرجل ما عليه لو عرض ففي التعريض ما يكفي ولكنه جبهني بكلامه ورماني بسموم سهامه . فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين إن الحوائج لتقضى على ثلاث خصال إما أن يكون السائل لقضاء الحاجة مستحقا فتقضى له بحقه وإما أن يكون السائل لئيما فيصون الشريف نفسه عن لسانه فيقضي حاجته وإما أن يكون المسئول كريما فيقضيها لكرمه صغرت أو كبرت . فقال معاوية لله أبوك ما أحسن ما نطقت وبعث إلى عمرو فأخبره وقضى حاجته ووصله بصلة جليلة فلما أخذها ولى منصرفا فقال معاوية فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ فسمعها عمرو فالتفت إليه مغضبا وقال والله يا معاوية لا أزال آخذ منك قهرا ولا أطيع لك أمرا وأحفر لك بئرا عميقا إذا وقعت فيه لم تدرك إلا رميما فضحك معاوية فقال ما أريدك يا أبا عبد الله بالكلمة وإنما كانت آية تلوتها من كتاب الله عرضت بقلبي فاصنع ما شئت