أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ لَسْتُ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ وَ لاَ مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ وَ اِعْلَمْ بِأَنَّ اَلدَّهْرَ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ وَ أَنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ دُوَلٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ وَ مَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ قد تقدم شرح مثل هذا الكلام وهذا معنى مطروق قد قال الناس فيه فأكثروا قال الشاعر
قد يرزق العاجز الضعيف وما
شد بكور رحلا ولا قتبا
و يحرم المرء ذو الجلادة والرأي
و من لا يزال مغتربا
و من جيد ما قيل في هذا المعنى قول أبي يعقوب الخريمي
هل الدهر إلا صرفه ونوائبه
و سراء عيش زائل ومصائبه
يقول الفتى ثمرت مالي وإنما
لوارثه ما ثمر المال كاسبه
يحاسب فيه نفسه في حياته
و يتركه نهبا لمن لا يحاسبه
فكله وأطعمه وخالسه وارثا
شحيحا ودهرا تعتريك نوائبه
أرى المال والإنسان للدهر نهبة
فلا البخل مبقية ولا الجود خاربه
لكل امرئ رزق وللرزق جالب
و ليس يفوت المرء ما خط كاتبه
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره
و يعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
يساق إلى ذا رزقه وهو وادع
و يحرم هذا الرزق وهو يغالبه
و إنك لا تدري أ رزقك في الذي
تطالبه أم في الذي لا تطالبه
تناس ذنوب الأقربين فإنه
لكل حميم راكب هو راكبه
له هفوات في الرخاء يشوبها
بنصرة يوم لا توارى كواكبه
تراه غدوا ما أمنت وتتقي
بجبهته يوم الوغى من يحاربه
لكل امرئ إخوان بؤس ونعمة
و أعظمهم في النائبات أقاربه