فأما قوله ع مكيث الكلام فإن قلة الكلام من صفات المدح وكثرته من صفات الذم قالت جارية ابن السماك له ما أحسن كلامك لو لا أنك تكثر ترداده فقال أردده حتى يفهمه من لم يفهمه قالت فإلى أن يفهمه من لم يفهمه قد مله من فهمه . بعث عبد العزيز بن مروان بن الحكم إلى ابن أخيه الوليد بن عبد الملك قطيفة حمراء وكتب إليه أما بعد فقد بعثت إليك بقطيفة حمراء حمراء حمراء فكتب إليه الوليد أما بعد فقد وصلت القطيفة وأنت يا عم أحمق أحمق أحمق .
و قال المعتضد لأحمد بن الطيب السرخسي طول لسانك دليل على قصر عقلك . قيل للعتابي ما البلاغة قال كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا خلسة ولا استعانة فهو بليغ قيل له ما الاستعانة قال أ لا ترى الرجل إذا حدث قال يا هناه واستمع إلي وافهم وأ لست تفهم هذا كله عي وفساد . دخل على المأمون جماعة من بني العباس فاستنطقهم فوجدهم لكنا مع يسار وهيئة ومن تكلم منهم أكثر وهذر فكانت حاله أفحش من حال الساكتين فقال ما أبين الخلة في هؤلاء لا خلة الأيدي بل خلة الألسنة والأحلام .
و سئل علي ع عن اللسان فقال معيار أطاشه الجهل وأرجحه العقل . سمع خالد بن صفوان مكثارا يتكلم فقال له يا هذا ليست البلاغة بخفة اللسان ولا بكثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى والقصد إلى الحجة . قال أبو سفيان بن حرب لعبد الله بن الزبعري ما لك لا تسهب في شعرك قال حسبك من الشعر غرة لائحة أو وصمة فاضحة . وفي خطبة كتاب البيان والتبيين لشيخنا أبي عثمان ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر كما نعوذ بك من العي والحصر قال أحيحة بن الجلاح
و الصمت أجمل بالفتى
ما لم يكن عي يشينه
و القول ذو خطل إذا
ما لم يكن لب يعينه
و قال الشاعر يرثي رجلا
لقد وارى المقابر من شريك
كثير تحلم وقليل عاب
صموتا في المجالس غير عي
جديرا حين ينطق بالصواب