فهرس الكتاب

الصفحة 5380 من 5988

فصل في الحياء وما قيل فيه

و كان يقال الحياء تمام الكرم والحلم تمام العقل . وقال بعض الحكماء الحياء انقباض النفس عن القبائح وهو من خصائص الإنسان لأنه لا يوجد في الفرس ولا في الغنم والبقر ونحو ذلك من أنواع الحيوانات فهو كالضحك الذي يختص به نوع الإنسان وأول ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان الحياء وقد جعله الله تعالى في الإنسان ليرتدع به عما تنزع إليه نفسه من القبيح فلا يكون كالبهيمة وهو خلق مركب من جبن وعفة ولذلك لا يكون المستحي فاسقا ولا الفاسق مستحيا لتنافي اجتماع العفة والفسق وقلما يكون الشجاع مستحيا والمستحي شجاعا لتنافي اجتماع الجبن والشجاعة ولعزة وجود ذلك ما يجمع الشعراء بين المدح بالشجاعة والمدح بالحياء نحو قول القائل

يجري الحياء الغض من قسماتهم

في حين يجري من أكفهم الدم

و قال آخر

كريم يغض الطرف فضل حيائه

و يدنو وأطراف الرماح دوان

و متى قصد به الانقباض فهو مدح للصبيان دون المشايخ ومتى قصد به ترك القبيح فهو مدح لكل أحد وبالاعتبار الأول قيل الحياء بالأفاضل قبيح وبالاعتبار الثاني ورد إن الله ليستحيي من ذي شيبة في الإسلام أن يعذبه أي يترك تعذيبه ويستقبح لكرمه ذلك . فأما الخجل فحيرة تلحق النفس لفرط الحياء ويحمد في النساء والصبيان ويذم بالاتفاق في الرجال . فأما القحة فمذمومة بكل لسان إذ هي انسلاخ من الإنسانية وحقيقتها لجاج النفس في تعاطي القبيح واشتقاقها من حافر وقاح أي صلب ولهذه المناسبة قال الشاعر

يا ليت لي من جلد وجهك رقعة

فأعد منها حافرا للأشهب

و ما أصدق قول الشاعر

صلابة الوجه لم تغلب على أحد

إلا تكامل فيه الشر واجتمعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت