فهرس الكتاب

الصفحة 2094 من 5988

فصل في الاستطراد وإيراد شواهد للشعراء فيه

و اعلم أن من أنواع علم البيان نوعا يسمى الاستطراد وقد يسمى الالتفات وهو من جنس التخلص وشبيه به إلا أن الاستطراد هو أن تخرج بعد أن تمهد ما تريد أن تمهده إلى الأمر الذي تروم ذكره فتذكره وكأنك غير قاصد لذكره بالذات بل قد حصل ووقع ذكره بالعرض عن غير قصد ثم تدعه وتتركه وتعود إلى الأمر الذي كنت في تمهيده كالمقبل عليه وكالملغى عما استطردت بذكره فمن ذلك قول البحتري وهو يصف فرسا

و أغر في الزمن البهيم محجل

قد رحت منه على أغر محجل

كالهيكل المبني إلا أنه

في الحسن جاء كصورة في هيكل

وافي الضلوع يشد عقد حزامه

يوم اللقاء على معم مخول

أخواله للرستمين بفارس

و جدوده للتبعين بموكل

يهوى كما هوت العقاب وقد رأت

صيدا وينتصب انتصاب الأجدل

متوجس برقيقتين كأنما

تريان من ورق عليه مكلل

ما إن يعاف قذى ولو أوردته

يوما خلائق حمدويه الأحول

ذنب كما سحب الرشاء يذب عن

عرف وعرف كالقناع المسبل

جذلان ينفض عذرة في غرة

يقق تسيل حجولها في جندل

كالرائح النشوان أكثر مشيه

عرضا على السنن البعيد الأطول

ذهب الأعالي حيث تذهب مقلة

فيه بناظرها حديد الأسفل

هزج الصهيل كأن في نغماته

نبرات معبد في الثقيل الأول

ملك القلوب فإن بدا أعطينه

نظر المحب إلى الحبيب المقبل

أ لا تراه كيف استطرد بذكر حمدويه الأحول الكاتب وكأنه لم يقصد ذلك ولا أراده وإنما جرته القافية ثم ترك ذكره وعاد إلى وصف الفرس ولو أقسم إنسان أنه ما بنى القصيدة منذ افتتحها إلا على ذكره ولذلك أتى بها على روي اللام لكان صادقا فهذا هو الاستطراد . ومن الفرق بينه وبين التخلص أنك في التخلص متى شرعت في ذكر الممدوح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت