كانت مناوشات وحملات خفيفة لا تقتضي الاتصال والممازجة ورشق بالنشاب شديد . فلما أظلم الليل أوقد التتار نيرانا عظيمة وأوهموا أنهم مقيمون عندها وارتحلوا في الليل راجعين إلى جهة بلادهم فأصبح العسكر البغدادي فلم ير منهم عينا ولا أثرا وما زالوا يطوون المنازل ويقطعون القرى عائدين حتى دخلوا الدربند ولحقوا ببلادهم . وكان ما جرى من دلائل النبوة لأن الرسول ص وعد هذه الملة بالظهور والبقاء إلى يوم القيامة ولو حدث على بغداد منهم حادثة كما جرى على غيرها من البلاد لانقرضت ملة الإسلام ولم يبق لها باقية . وإلى أن بلغنا من هذا الشرح إلى هذا الموضع لم يذعر العراق منهم ذاعر بعد تلك النوبة التي قدمنا ذكرها . قلت وقد لاح لي من فحوى كلام أمير المؤمنين ع أنه لا بأس على بغداد والعراق منهم وأن الله تعالى يكفي هذه المملكة شرهم ويرد عنها كيدهم وذلك من قوله ع ويكون هناك استحرار قتل فأتى بالكاف وهي إذا وقعت عقيب الإشارة أفادت البعد تقول للقريب هنا وللبعيد هناك وهذا منصوص عليه في العربية ولو كان لهم استحرار قتل في العراق لما قال هناك بل كان يقول هنا لأنه ع خطب بهذه الخطبة في البصرة ومعلوم أن البصرة وبغداد شي ء واحد وبلد واحد لأنهما جميعا من إقليم العراق وملكهما ملك واحد فيلمح هذا الموضع فإنه لطيف .
و كتبت إلى مؤيد الدين الوزير عقيب هذه الوقعة التي نصر فيها الإسلام ورجع التتر مخذولين ناكصين على أعقابهم أبياتا أنسب إليه الفتح وأشير إلى أنه هو الذي قام بذلك وإن لم يكن حاضرا له بنفسه وأعتذر إليه عن الإغباب بمديحه فقد كانت الشواغل والقواطع تصد عن الانتصاب لذلك
أبقى لنا الله الوزير وحاطه
بكتائب من نصره ومقانب
و امتد وارف ظله لنزيله
وصفت متون غديره للشارب
يا كالئ الإسلام إذ نزلت به
فرغاء تشهق بالنجيع السالب
في خطة بهماء ديمومية
لا يهدى فيها السليك للاحب