فقال له واحد منهم يا أبا فلان لو نقلت ما من غنائك إلى شرابك لصلح غناؤنا ونبيذنا جميعا . ويشبه حكاية قتيبة والحجاج كتاب عبد الملك إلى الحجاج جوابا عن كتاب كتبه إليه يغلظ فيه أمر الخوارج ويذكر فيه حال قطري وغيره وشدة شوكتهم فكتب إليه عبد الملك أوصيك بما أوصى به البكري زيدا والسلام . فلم يفهم الحجاج ما أراد عبد الملك فاستعلم ذلك من كثير من العلماء بأخبار العرب فلم يعلموه فقال من جاءني بتفسيره فله عشرة آلاف درهم وورد رجل من أهل الحجاز يتظلم من بعض العمال فقال له قائل أ تعلم ما أوصى به البكري زيدا قال نعم أعلمه فقيل له فأت الأمير فأخبره ولك عشرة آلاف درهم فدخل عليه فسأله فقال نعم أيها الأمير إنه يعنى قوله
أقول لزيد لا تترتر فإنهم
يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
فإن وضعوا حربا فضعها وإن أبوا
فعرضة نار الحرب مثلك أو مثلي
و إن رفعوا الحرب العوان التي ترى
فشب وقود النار بالحطب الجزل
فقال الحجاج أصاب أمير المؤمنين فيما أوصاني وأصاب البكري فيما أوصى به زيدا وأصبت أيها الأعرابي ودفع إليه الدراهم .
و كتب إلى المهلب أن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا وأنا أوصيك بذلك وبما أوصى به الحارث بن كعب بنيه . فنظر المهلب في وصية الحارث بن كعب فإذا فيها يا بني كونوا جميعا ولا تكونوا شيعا فتفرقوا وبزوا قبل أن تبزوا الموت في قوة وعز خير من الحياة في ذل وعجز . فقال المهلب صدق البكري وأصاب وصدق الحارث وأصاب . واعلم أن كثيرا مما ذكرناه داخل في باب التعريض وخارج عن باب الكناية وإنما ذكرناه لمشابهة الكناية وكونهما كالنوعين تحت جنس عام وسنذكر كلاما كليا فيهما إذا انتهينا إلى آخر الفصل إن شاء الله . ومن الكنايات قول أبي نواس
و ناظرة إلي من النقاب
تلاحظني بطرف مستراب
كشفت قناعها فإذا عجوز
مموهة المفارق بالخضاب
فما زالت تجشمني طويلا
و تأخذ في أحاديث التصابي