و من ذلك قوله ص: إياكم وخضراء الدمن والدمن جمع دمنة وهي المزبلة فيها البعر تنبت نباتا أخضر وكنى بذلك عن المرأة الحسناء في منبت السوء . ومن ذلك قولهم إياك وعقيلة الملح لأن الدرة تكون في الماء الملح ومرادهم النهي عن المرأة الحسناء وأهلها أهل سوء . ومن ذلك قولهم لبس له جلد النمر وقلب له ظهر المجن وقال أبو نواس
لا أذود الطير عن شجر
قد بلوت المر من ثمره
و قد فسر قوم قوله تعالى وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا فقالوا أراد وإذا عبروا عن اللفظ بما يقبح ذكره كنوا عنه فسمى التعبير عن الشي ء مرورا به وسمى الكناية عنه كرما . ومن ذلك أن بنت أعرابية صرخت وقالت لسعتني العقرب فقالت أمها أين فقالت موضع لا يضع الراقي فيه أنفه كنت بذلك عن السوأة . ومن هذا الباب قوله سبحانه مَا اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ اَلطَّعامَ قال كثير من المفسرين هو كناية عن الغائط لأنه يكون من الطعام فكني عنه إذا هو منه مسبب كما كنوا عن السمة بالنار فقالوا ما نار تلك أي ما سمتها ومنه قول الشاعر
قد وسموا آبالهم بالنار
و النار قد تشفي من الأوار
و هذا من أبيات المعاني يقول هم أهل عز ومنعة فسقى راعيهم إبلهم بالسمات التي على الإبل وعلم المزاحمون له في الماء أنه لا طاقة لهم بمنازعتهم عليه لعزهم فكانت السمات سببا لسقيها والأوار العطش فكنى سبحانه بقوله يَأْكُلانِ اَلطَّعامَ عن إتيان الغائط لما كان أكل الطعام سببا له كما كنى الشاعر بالنار عن السمة لما كانت النار سبب السمة .
و من هذا الباب قوله سبحانه وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ كنى بالإفضاء عن الجماع .