و قال بعض الأذكياء كل أمة قد تحذو في مذاهبها مذاهب ملة أخرى وقد كانت الهند تزعم أن البقر ملائكة سخط الله عليها فجعلها في الأرض وأن لها عنده حرمة وكانوا يلطخون الأبدان بأخثائها ويغسلون الوجوه ببولها ويجعلونها مهور نسائهم ويتبركون بها في جميع أحوالهم فلعل أوائل العرب حذوا هذا الحذو وانتهجوا هذا المسلك
و للعرب في البقر خيال آخر وذلك أنهم إذا أوردوها فلم ترد ضربوا الثور ليقتحم الماء فتقتحم البقر بعده ويقولون إن الجن تصد البقر عن الماء وإن الشيطان يركب قرني الثور وقال قائلهم
إني وقتلي سليكا حين أعقله
كالثور يضرب لما عافت البقر
و قال نهشل بن حري
كذاك الثور يضرب بالهراوى
إذا ما عافت البقر الظماء
و قال آخر
كالثور يضرب للورود
إذا تمنعت البقر
فإن كان ليس إلا هذا فليس ذاك بعجيب من البقر ولا بمذهب من مذاهب العرب لأنه قد يجوز أن تمتنع البقر من الورود حتى يرد الثور كما تمتنع الغنم من سلوك الطرق أو دخول الدور والأخبية حتى يتقدمها الكبش أو التيس وكالنحل تتبع اليعسوب والكراكي تتبع أميرها ولكن الذي تدل عليه أشعارها أن الثور يرد ويشرب ولا يمتنع ولكن البقر تمتنع وتعاف الماء وقد رأت الثور يشرب فحينئذ يضرب الثور مع إجابته إلى الورود فتشرب البقر عند شربه وهذا هو العجب قال الشاعر
فإني إذن كالثور يضرب جنبه
إذا لم يعف شربا وعافت صواحبه
و قال آخر
فلا تجعلوني كالبقير وفحلها
يكسر ضربا وهو للورد طائع
و ما ذنبه إن لم يرد بقراته
و قد فاجأتها عند ذاك الشرائع
و قال الأعشى
لكالثور والجني يضرب وجهه
و ما ذنبه إن عافت الماء مشربا
و ما ذنبه إن عافت الماء باقر
و ما إن يعاف الماء إلا ليضربا