من المعاني فإذا خطر في النفس كلام يتضمن أمرين ضدين فلا بد لصاحب ذلك الخاطر سواء أ كان عربيا أم فارسيا أم زنجيا أم حبشيا أن ينطق بلفظ يدل على تلك المعاني المتضادة وهذا أمر يعم العقلاء كلهم على أن تلك اللفظة التي قالها ما قيلت في موت قباذ وإنما قيلت في موت الإسكندر لما تكلمت الحكماء وهم حول تابوته بما تكلموا به من الحكم . ومما جاء من هذا القسم من المقابلة في الكتاب العزيز قوله تعالى في صفة الواقعة خافِضَةٌ رافِعَةٌ لأنها تخفض العاصين وترفع المطيعين . وقوله تعالى فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذابُ . وقوله أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكافِرِينَ . ومن هذا الباب
قول النبي ص للأنصار إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع . ومما جاء من ذلك في الشعر قول الفرزدق يهجو قبيلة جرير
يستيقظون إلى نهيق حميرهم
و تنام أعينهم عن الأوتار
و قال آخر
فلا الجود يفني المال والجد مقبل
و لا البخل يبقي المال والجد مدبر
و قال أبو تمام
ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا
إلا بحيث ترى المنايا سودا
و كذلك قال من هذه القصيدة أيضا
شرف على أولى الزمان وإنما
خلق المناسب ما يكون جديدا
و أما القسم الثاني من القسم الأول وهو مقابلة الشي ء بضده بالمعنى لا باللفظ فكقول المقنع الكندي
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى
و إن قل مالي لا أكلفهم رفدا
فقوله إن تتابع لي غنى في قوة قوله إن كثر مالي والكثرة ضد القلة فهو إذن مقابل بالمعنى لا باللفظ بعينه . ومن هذا الباب قول البحتري
تقيض لي من حيث لا أعلم النوى
و يسري إلي الشوق من حيث أعلم
فقوله لا أعلم ليس ضدا لقوله أعلم لكنه نقيض له وفي قوة قوله أجهل والجهل ضد العلم . ومن لطيف ما وقعت المقابلة به من هذا النوع قول أبي تمام
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس