قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ كانت مصر في نفس عمرو بن العاص لأنه هو الذي فتحها في سنة تسع عشرة من الهجرة في خلافة عمر فكان لعظمها في نفسه وجلالتها في صدره وما قد عرفه من أموالها وسعة الدنيا لا يستعظم أن يجعلها ثمنا من دينه وهذا معنى قوله
و إني بذا الممنوع قدما لمولع
قال نصر فقال له معاوية يا أبا عبد الله أ ما تعلم أن مصر مثل العراق قال بلى ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق . قال وقد كان أهل مصر بعثوا بطاعتهم إلى علي ع . فلما حضر عتبة بن أبي سفيان قال لمعاوية أ ما ترضى أن تشتري عمرا بمصر
إن هي صفت لك ليتك لا تغلب على الشام فقال معاوية يا عتبة بت عندنا الليلة فلما جن الليل على عتبة رفع صوته ليسمع معاوية وقال
أيها المانع سيفا لم يهز
إنما ملت على خز وقز
إنما أنت خروف ماثل
بين ضرعين وصوف لم يجز
أعط عمرا إن عمرا تارك
دينه اليوم لدنيا لم تحز
يا لك الخير فخذ من دره
شخبه الأول وابعد ما غرز
و اسحب الذيل وبادر فوقها
و انتهزها إن عمرا ينتهز
أعطه مصرا وزده مثلها
إنما مصر لمن عز فبز
و اترك الحرص عليها ضلة
و اشبب النار لمقرور يكز
إن مصرا لعلي أو لنا
يغلب اليوم عليها من عجز
قال فلما سمع معاوية قول عتبة أرسل إلى عمرو فأعطاه مصر فقال عمرو لي الله عليك بذلك شاهد قال نعم لك الله علي بذلك إن فتح الله علينا الكوفة فقال عمرو واَللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ . فخرج عمرو من عنده فقال له ابناه ما صنعت قال أعطانا مصر طعمة قالا وما مصر في ملك العرب قال لا أشبع الله بطونكما إن لم تشبعكما مصر . قال وكتب معاوية له بمصر كتابه وكتب على ألا ينقض شرط طاعة فكتب عمرو على ألا تنقض طاعة شرطا فكايد كل واحد منهما صاحبه . قلت قد ذكر هذا اللفظ أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتابه الكامل