كان عمر بن عبد العزيز إذا جلس للقضاء قرأ أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ . قال منصور بن عمار لأهل مجلسه ما أرى إساءة تكبر على عفو الله فلا تيأس وربما آخذ الله على الصغير فلا تأمن وقد علمت أنك بطول عفو الله عنك عمرت مجالس الاغترار به ورضيت لنفسك المقام على سخطه ولو كنت تعاقب نفسك بقدر تجاوزه عن سيئاتك ما استمر بك لجاج فيما نهيت عنه ولا قصرت دون المبالغة فيه ولكنك رهين غفلتك وأسير حيرتك . قال إسماعيل بن زياد أبو يعقوب قدم علينا بعبادان راهب من الشام ونزل دير ابن أبي كبشة فذكروا حكمة كلامه فحملني ذلك على لقائه فأتيته وهو يقول إن لله عبادا سمت بهم هممهم فهووا عظيم الذخائر فالتمسوا من فضل سيدهم توفيقا يبلغهم سمو الهمم فإن استطعتم أيها المرتحلون عن قريب أن تأخذوا ببعض أمرهم فإنهم قوم قد ملكت الآخرة قلوبهم فلم تجد الدنيا فيها ملبسا فالحزن بثهم والدمع راحتهم والدءوب وسيلتهم وحسن الظن قربانهم يحزنون بطول المكث في الدنيا إذا فرح أهلها فهم فيها مسجونون وإلى الآخرة منطلقون . فما سمعت موعظة كانت أنفع لي منها . ومن جيد شعر أبي نواس في الزهد
يا بني النقص والغير
و بني الضعف والخور
و بني البعد في الطباع
على القرب في الصور
و الشكول التي تباين
في الطول والقصر
أين من كان قبلكم
من ذوي البأس والخطر
سائلوا عنهم المدائن
و استبحثوا الخبر
سبقونا إلى الرحيل
و إنا لبالأثر
من مضى عبرة لنا
و غدا نحن معتبر
أن للموت أخذة
تسبق اللمح بالبصر
فكأني بكم غدا
في ثياب من المدر
قد نقلتم من القصور
إلى ظلمة الحفر
حيث لا تضرب القباب
عليكم ولا الحجر
حيث لا تطربون منه
للهو ولا سمر
رحم الله مسلما
ذكر الموت فازدجر
رحم الله مؤمنا
خاف فاستشعر الحذر