و كلامه وتعليمه للناس هذا الفن تارة بقوله وتارة بفعله لما اهتدى أحد من هذه الطائفة ولا علم كيف يورد ولا كيف يصدر . وقال القشيري أيضا في الرسالة المحاضرة قبل المكاشفة فإذا حصلت المكاشفة فبعدها المشاهدة . وقال وهي أرفع الدرجات قال فالمحاضرة حضور القلب وقد تكون بتواتر البرهان والإنسان بعد وراء الستر وإن كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر . وأما المكاشفة فهي حضور البين غير مفتقر إلى تأمل الدليل وتطلب السبيل ثم المشاهدة وهي وجود الحق من غير بقاء تهمة . وأحسن ما ذكر في المشاهد قول الجنيد هي وجود الحق مع فقدانك . وقال عمرو بن عثمان المكي المشاهدة أن تتوالى أنوار التجلي على القلب من غير أن يتخللها ستر ولا انقطاع كما لو قدر اتصال البروق في الليلة المظلمة فكما أنها تصير من ذلك بضوء النهار فكذلك القلب إذا دام له التجلي مع النهار فلا ليل . وأنشدوا شعرا
ليلي بوجهك مشرق
و ظلامه في الناس سار
فالناس في سدف الظلام
و نحن في ضوء النهار
و قال الثوري لا تصح للعبد المشاهدة وقد بقي له عرق قائم . وقالوا إذا طلع الصباح استغني عن المصباح . وأنشدوا أيضا
فلما استنار الصبح طوح ضوءه
بأنواره أنوار ضوء الكواكب
فجرعهم كأسا لو ابتليت لظى
بتجريعه طارت كأسرع ذاهب
كأس وأي كأس تصطلمهم عنهم وتفنيهم وتخطفهم منهم ولا تبقيهم كأس لا تبقى ولا تذر تمحو بالكلية ولا تبقى شظية من آثار البشرية كما قال قائلهم
ساروا فلم يبق لا عين ولا أثر
و قال القشيري أيضا هي ثلاث مراتب اللوائح ثم اللوامع ثم الطوالع فاللوائح كالبروق ما ظهرت حتى استترت كما قال القائل
فافترقنا حولا فلما التقينا
كان تسليمه علي وداعا
و أنشدوا
يا ذا الذي زار وما زارا
كأنه مقتبس نارا
مر بباب الدار مستعجلا
ما ضره لو دخل الدارا
ثم اللوامع وهي أظهر من اللوائح وليس زوالها بتلك السرعة فقد تبقى وقتين وثلاثة ولكن كما قيل