و في هذا الكلام دلالة على أن الجنة الآن مخلوقة وهو مذهب أكثر أصحابنا . ومعنى قوله وزروعا أي وغروسا من الشجر يقال زرعت الشجر كما يقال زرعت البر والشعير ويجوز أن يقال الزروع جمع زرع وهو الإنبات يقال زرعه الله أي أنبته ومنه قوله تعالى أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلزَّارِعُونَ ولو قال قائل إن في الجنة زروعا من البر والقطنية لم يبعد . قوله ثم أرسلت داعيا يعني الأنبياء وأقبلوا على جيفة يعني الدنيا ومن كلام الحسن رضي الله عنه إنما يتهارشون على جيفة . وإلى قوله ومن عشق شيئا أعشى بصره نظر الشاعر فقال
و عين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تبدي المساويا
و قيل لحكيم ما بال الناس لا يرون عيب أنفسهم كما يرون عيب غيرهم قال إن الإنسان عاشق لنفسه والعاشق لا يرى عيوب المعشوق . قد خرقت الشهوات عقله أي أفسدته كما تخرق الثوب فيفسد . وإلى قوله فهو عبد لها ولمن في يديه شي ء منها نظر ابن دريد فقال
عبيد ذي المال وإن لم يطمعوا
من ماله في نغبة تشفي الصدى
و هم لمن أملق أعداء وإن
شاركهم فيما أفاد وحوى
و إلى قوله حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها نظر الشاعر فقال
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها
فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت
يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا