و فائدة ذلك أنه صرف الكلام من خطاب الحاضرين إلى أخبار قوم آخرين بحالهم كأنه يعدد على أولئك ذنوبهم ويشرح لهؤلاء بغيهم وعنادهم الحق ويقبح عندهم ما فعلوه ويقول أ لا تعجبون من حالهم كيف دعونا فلما رحمناهم واستجبنا دعاءهم عادوا إلى بغيهم وهذه الفائدة لو كانت الآية كلها على صيغة خطاب الحاضر مفقودة . قال ع ما رأتك العيون فتخبر عنك كما يخبر الإنسان عما شاهده بل أنت أزلي قديم موجود قبل الواصفين لك . فإن قلت فأي منافاة بين هذين الأمرين أ ليس من الممكن أن يكون سبحانه قبل الواصفين له ومع ذلك يدرك بالأبصار إذا خلق خلقه ثم يصفونه رأي عين قلت بل هاهنا منافاة ظاهرة وذلك لأنه إذا كان قديما لم يكن جسما ولا عرضا وما ليس بجسم ولا عرض تستحيل رؤيته فيستحيل أن يخبر عنه على سبيل المشاهدة . ثم ذكر ع أنه لم يخلق الخلق لاستيحاشه وتفرده ولا استعملهم بالعبادة لنفعه وقد تقدم شرح هذا . ثم قال لا تطلب أحدا فيسبقك أي يفوتك ولا يفلتك من أخذته . فإن قلت أي فائدة في قوله ولا يفلتك من أخذته لأن عدم الإفلات هو الأخذ فكأنه قال لا يفلتك من لم يفلتك قلت المراد أن من أخذت لا يستطيع أن يفلت كما يستطيع المأخوذون مع ملوك الدنيا أن يفلتوا بحيلة من الحيل . فإن قلت أفلت فعل لازم فما باله عداه . قلت تقدير الكلام لا يفلت منك فحذف حرف الجر كما قالوا استجبتك أي استجبت لك قال
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
و قالوا استغفرت الله الذنوب أي من الذنوب وقال الشاعر
أستغفر الله ذنبا لست محصيه
رب العباد إليه الوجه والعمل