فهرس الكتاب

الصفحة 5634 من 5988

فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم ومصدرهم وغفلتهم عن عاقبة أمرهم وما أقبح حال من يزعم أنه بصير عاقل وتغره حجارة الأرض وهي الذهب والفضة وهشيم النبت وهو زينة الدنيا وهو يعلم يقينا أن شيئا من ذلك لا يصحبه عند الموت بل يصير كله وبالا عليه وهو في الحال الحاضرة شاغل له بالخوف عليه والحزن والهم لحفظه وهذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه الله . وقد ضرب أيضا لها مثال آخر في عبور الإنسان عليها قالوا الأحوال ثلاثة حال لم يكن الإنسان فيها شيئا وهي ما قبل وجوده إلى الأزل وحال لا يكون فيها موجودا مشاهدا للدنيا وهي بعد موته إلى الأبد وحالة متوسطة بين الأزل والأبد وهي أيام حياته في الدنيا فلينظر العاقل إلى الطرفين الطويلين ولينظر إلى الحالة المتوسطة هل يجد لها نسبة إليها وإذا رأى العاقل الدنيا بهذه العين لم يركن إليها ولم يبال كيف تقضت أيامه فيها في ضر وضيق أو في سعة ورفاهة بل لا يبني لبنة على لبنة

توفي رسول الله ص وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ورأى بعض الصحابة بنى بيتا من جص فقال أرى الأمر أعجل من هذا وأنكر ذلك ولهذا

قال النبي ص ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثلها كراكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فقام تحت ظلها ساعة ثم راح وتركها و

إلى هذا أشار عيسى ابن مريم حيث قال الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها وهو مثل صحيح فإن الحياة الدنيا قنطرة إلى الآخرة والمهد هو أحد جانبي القنطرة واللحد الجانب الآخر وبينهما مسافة محدودة فمن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثيها ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيفما كان فلا بد من العبور والانتهاء ولا ريب أن عمارة هذه القنطرة وتزيينها بأصناف الزينة لمن

هو محمول قسرا وقهرا على عبورها يسوقه سائق عنيف غاية الجهل والخذلان . و

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت