فبناه على شيب لم يسم فاعله وفي المثل هو يشوب ويروب يضرب لمن يخلط في القول أو العمل . والجلد الصلابة والقوة والوهن الضعف نفسه وإنما عطف للتأكيد كقوله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجًا وقوله لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ . ثم نهى عن الاغترار بكثرة العجب من الدنيا وعلل حسن هذا النهي وقبح الاغترار بما نشاهده عيانا من قلة ما يصحب مفارقيها منها وقال الشاعر
فما تزود مما كان يجمعه
إلا حنوطا غداة البين في خرق
و غير نفحة أعواد شببن له
و قل ذلك من زاد لمنطلق
ثم جعل التفكر علة الاعتبار وجعل الاعتبار علة الأبصار وهذا حق لأن الفكر يوجب الاتعاظ والاتعاظ يوجب الكشف والمشاهدة بالبصيرة التي نورها الاتعاظ .
ثم ذكر أن ما هو كائن وموجود من الدنيا سيصير عن قليل أي بعد زمان قصير معدوما والزمان القصير هاهنا انقضاء الأجل وحضور الموت . ثم قال إن الذي هو كائن وموجود من الآخرة سيصير عن قليل أي بعد زمان قصير أيضا كأنه لم يزل والزمان القصير هاهنا هو حضور القيامة وهي وإن كانت تأتي بعد زمان طويل إلا أن الميت لا يحس بطوله ولا فرق بين ألف ألف سنة عنده إذا عاد حيا وبين يوم واحد لأن الشعور بالبطء في الزمان مشروط بالعلم بالحركة ويدل على ذلك حال النائم ثم قال كل معدود منقض وهذا تنبيه بطريق الاستدلال النظري على أن الدنيا زائلة ومنصرفة وقد استدل المتكلمون بهذا على أن حركات الفلك يستحيل ألا يكون لها أول فقالوا لأنها داخلة تحت العدد وكل معدود يستحيل أن يكون غير متناه والكلام في هذا مذكور في كتبنا العقلية .
ثم ذكر أن كل ما يتوقع لا بد أن يأتي
و كل ما سيأتي فهو قريب وكأنه قد أتى