فأبلغونا مأمننا فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا ذاك لكم فساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهم المأمن . وقال أبو العباس أتي عبد الملك بن مروان برجل من الخوارج فبحثه فرأى منه ما شاء فهما وعلما ثم بحثه فرأى منه ما شاء أدبا وذهنا فرغب فيه فاستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه فرآه مستبصرا محققا فزاده في الاستدعاء فقال تغنيك الأولى عن الثانية وقد قلت وسمعت فاسمع أقل قال قل فجعل يبسط من قول الخوارج ويزين له من مذهبهم بلسان طلق وألفاظ بينة ومعان قريبة فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته وفضله لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة إنما خلقت لهم وأني أولى العباد بالجهاد منهم ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة وقرر في قلبي من الحق فقلت له الدنيا والآخرة لله وقد سلطنا الله في الدنيا ومكن لنا فيها وأراك لست تجيبنا إلى ما نقول والله لأقتلنك إن لم تطع فأنا في ذلك إذ دخل علي بابني مروان . قال أبو العباس وكان مروان أخا يزيد بن عبد الملك لأمه أمهما عاتكة بنت يزيد بن معاوية وكان أبيا عزيز النفس فدخل به على أبيه في هذا الوقت باكيا
لضرب المؤدب إياه فشق ذلك على عبد الملك فأقبل عليه الخارجي وقال له دعه يبك فإنه أرحب لشدقه وأصح لدماغه وأذهب لصوته وأحرى ألا تأبى عليه عينه إذا حضرته طاعة واستدعى عبرتها . فأعجب ذلك من قوله عبد الملك وقال له متعجبا أ ما يشغلك ما أنت فيه ويعرضك عن هذا فقال ما ينبغي أن يشغل المؤمن عن قول الحق شي ء فأمر بحبسه وصفح عن قتله وقال بعد معتذرا إليه لو لا أن تفسد بألفاظك أكثر رعيتي ما حبستك ثم قال عبد الملك لقد شككني ووهمني حتى مالت بي عصمة الله وغير بعيد أن يستهوي من بعدي