من أنجبت مريم؟ سيدنا عيس عليه الصلاة والسلام، ما يدريك أن الخير كله من هذه الفتاة؟ من هذه البنت؟ لذلك عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا تُكْرِهُوا الْبَنَاتِ، فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ ) )
[أحمد]
ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريمًا مغلوبًا، من أن أكون لئيمًا غالبًا.
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}
هذا هو ردُّ فعل الرجل الجاهل الذي يولد له بنت:
يستحي من هذه البشارة.
{أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ}
لمَ لمْ يقل الله عز وجل: أيمسكها، لأن هذه الهاء تعود على ما:
{يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ}
من سوء الذي بشر به، فهذا الذي بشر به أيمسكه على هون؟ على مضض، أم يدسه في التراب؟
ما ذنب البنت حتى تدفَن حية؟
تصور كيف كان العرب في الجاهلية، كيف كان أحدهم يئد ابنته وعمرها كعمر الزهور والريحانة، يقودها إلى أطراف المدينة، ويحفر لها حفرة، ثم يرديها فيها، ويهيل عليها التراب، أي قلب هذا؟!
{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}
(سورة التكوير: 8 ـ 9)
ما الذنب الذي ارتكبته هذه الصغيرة حتى يئدها أبوها؟ إن الظلم يهتز له عرش الرحمان سبحانه.
{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}
كان أحدهم يروي للنبي عليه الصلاة والسلام كيف وأد ابنته، فظل النبي يبكي حتى أخضل لحيته الشريفة، كانت هذه الفتاة الصغيرة تداعب ذقن أبيها، وتدغدغها له، فما كان منه إلا حفر لها حفرة، وأرداها فيها.