التفسير المطول- سورة الفتح 048 - الدرس (4 - 8) : صلح الحديبية 3.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي- تاريخ 24 - 02 - 1995 م
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، مع الدرس الرابع من دروس تفسير سورة الفتح.
تعلق إرادة الله عز وجل بالحكمة المطلقة:
أيها الأخوة الكرام: إن المسلمين أحيانًا تؤلمهم أحداثٌ معيّنة وقد يكون الخير فيها، وقد لا ينجلي خيرها إلا بعد حين، فلعل صُلْحَ الحديبية الذي أَمَضَّ المسلمين وآلمهم أشدّ الألم وقتها، ثم تكشَّفت الخيرات والبركات التي أتت منه بشكلٍ غير متوقع، فلعل في هذا درسًا مستمرًا للمسلمين ..
{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) }
[سورة البقرة: آية 216]
هذا ينطبق على مجموع المسلمين، وينطبق على أفراد المسلمين، أنت مسلم مؤمن أنه ما من شيءٍ وقع إلا أراده الله، وما من شيءٍ أراده الله إلا وقع، وأن إرادة الله عزَّ وجل متعلقةٌ بالحكمة المُطلقة، وأن حكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، هذه الفكرة تُلقي على قلبك بردًا وسلامًا، تتحرَّك وتسعى دون أن تحقد، دون أن تُسحَق، دون أن تتألَّم، السعي مطلوب ولكنَّك مستسلمٌ لمشيئة الله.
صلح الحديبية نتجت عنه خيراتٌ لا يعلمها إلا الله، مع أن بنوده فيما يبدو كانت مهينةً، فكانت هناك تنازلات وكان المسلمون في أوج قوتهم متحمِّسون أعزَّة.