التفسير المطول - سورة المائدة 005 - الدرس (41 - 49) : تفسير الآيات 93 - 96، الحساب بعد التكليف.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2004 - 09 - 10
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا، وأرنا الحق حقًا وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
التدرج في التشريع:
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الواحد والأربعين من دروس سورة المائدة ومع الآية الثالثة والتسعين، وهي قوله تعالى:
{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
أيها الأخوة الكرام، كلكم يعلم أن التشريع نزل متدرّجًا، ففي وقت فرضت الصلاة، في وقت فرض الصيام، في وقت فرض الحج، في وقت حُرمت الخمر، في وقت حُرم الميسر، فالعبادات والمحرمات نزلت بالتدريج.
لذلك بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن استشهدوا أو ماتوا قبل تحريم الخمر، قلق الأصحاب الكرام على أخوانهم، فتساءلوا: ما حكم أخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تُحرم؟ هذا القلق قلق مقدس، لكن الله جل جلاله رحيم بعباده، الله عز وجل لا يكلفنا إلا بما شرع لنا.
إذًا قبل التشريع الإنسان معفو عنه، هذا التساؤل الذي تساءل به أصحاب النبي رضوان الله تعالى عليهم، وهذا القلق المقدس الذي قلقوا به على أخوانهم ممن سبقوهم إلى دار الحق من هؤلاء الذين فعلوا شيئًا حرم فيما بعد، بعد موتهم أو بعد استشهادهم، هذا السؤال الكبير جاء جوابه في هذه الآية.