الدين أن تخضع خضوعًا عن قناعة، فلو أن الخضوع عن غير قناعة لكان هذا الخضوع قهرًا لا دينًا، والفرق بين القهر والدين أنك بالقهر تخضع، لا عن قناعة، ولا عن رضا، ولكنك بالدين تخضع وأنت مقتنع، وأنت راض، وأن هذا الذي تخضع له يستحق أن تخضع له، وأن هذا الذي تعبده يستحق أن تعبده، وأن هذا الذي تستسلم له يستحق أن تستسلم له، فهو حق، ودينه حق، وقرآنه حق، وشرعه حق، والحلال ما أحلَّ، والحرام ما حرَّم.
{وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا}
واصبا له معنيان متكاملان: واجبًا، ودائمًا، هناك أناس يخضعون لله في الرخاء، وأما في الشدة فيرتابون في أنه هو الإله، يقولون: أين الله؟! كيف تخلى عنا؟ كيف تركنا؟ هؤلاء هم ضعاف المؤمنين، فهناك أناس يخضعون لله في الشدة، ويعصونه في الرخاء، وهؤلاء هم المنتفعون، ولكن المؤمن يطيعه ويحبه في الرخاء، وفي الشدة.
إن من قواعد علم التوحيد أن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
{وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
السماوات والأرض تعبير قرآني يشابه، أو يقابل مفهوم الكون، والكون ما سوى الله، فكل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى كون،
{وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ}
ينبغي أن تتقي وتطيع الله وحده:
أتتقي غضب إنسان لا ينفعك ولا يضرك؟ أترجو رضاه؟ أتتقي غضبه؟ أتطيعه وتعصي الله؟
{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}
(سورة الصافات: 154)
إن من يطيع إنسانًا ويعصي الله فقد سقط سقوطًا لا حدود له، فقد ضل سواء السبيل، وكان ضلاله مبينًا، وكان ضلاله بعيدًا، وكانت خسارته كبيرة، كيف لا وقد خسر نفسه؟ ومن يخسر نفسه فقد خسر كل شيء.
ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني فقد وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، يا رب ماذا وجد من فقدك، وماذا فقد من وجدك؟