ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك شمله ليجمعك
أردت من هذا الكلام أن أوضح هذه الفكرة:
{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}
كيف سمح الله لأعدائهم أن يظلمونهم؟ سمح لأعدائهم أن يظلمونهم ليظهر حقيقتهم، إنهم يحبون الله في الرخاء والشدة، في الغنى والفقر، في إقبال الدنيا وإدبارها، أحيانًا لسبب من طاعة الله عز وجل تفقد عملك، أجبرت على معصية فقلت: لا، تفقد عملك، وتظل تبحث عن عمل أشهرًا طويلة، أليس بالإمكان أن تجد عملا بعد يوم واحد، ممكن، لكن الله سبحانه وتعالى يؤخر الفرج ليظهر معدنك الثمين، إنك صادق، إنك راضٍ، إنك احتسبت هذا لوجه الله عز وجل، وقد تأتي مصبية، وطِّنوا أنفسكم على تحمل الشدائد، النبي عليه الصلاة والسلام يذكر أنه ما أصاب عبد مصيبة إلا بإحدى خلتين، بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة، أو بدرجة لم يكن الله ليبلغه إياها إلا بتلك المصيبة.
يا أخي الكريم، إذا أصابتك مصيبة وأنت مستقيم على أمر الله فلها تفسير واحد، إنها مصيبة ترقية، لا بد من أن ترقى من درجة إلى درجة، عن طريق هذه المصيبة، صبرك عليها، يرفعك عند الله، استسلامك لأمر الله يرفعك عند الله، تفويضك لله يرفعك عند الله، توكلك على الله يرفعك عند الله، رضاك بقضاء الله يرفعك عند الله فمصيبة العصاة مصيبة ردعٍ، ومصيبة المؤمنين مصيبة رفعٍ، وشتان بين الردع والرفع، الله سبحانه وتعالى يسوق الشدائد للعصاة ليردعهم عن معصيتهم، ولكنه إذا ساق الشدائد للمؤمنين فيجزيهم أجرهم بأحسن ما صبروا.
{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
(سورة الزمر: 10)