مِن بُعْدِ الناس عن ربهم، وانحرافهم عن طريق هدايتهم، وبُعدِهم عن طريق الجنة، وانغماسهم في المحرمات والشهوات يسوق الله لهم من الشدائد، هذه الشدائد تعلقت بها حكمته، لكنه لم يَرْضَها لعباده، لكن انحرافهم، وغفلتهم، وتقصيرهم، ومعاصيهم اقتضت هذه المعالجات كلها، وفي الأثر:"أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم"، هذه مشيئة الرب، شاء ولم يرد، شاء ولم يرض، أما إذا كان هناك إكرام فشاء ورضي، إذا عرفته، واستقمت على أمره، وأقبلت عليه، وسعدت بقربه شاء لك الإكرام، ورضيه له، إذا ابتعدت عنه، وانحرفت أعمالك، وانحطت ميولك، وسفلت أهدافك، وطغيت، وبغيت، شاء الله عز وجل لهذا العبد المنحرف المصائب والتضييق، والأمراض، والقهر كي يرده إليه، شاء ولم يرض، وشاء ورضي، هذا هو المعنى الثاني.
أن مشيئة الله مشيئة تنفيذية، لكن مشيئة العبد مشيئة اختياريه، فمجرد أن يختار العبد طريق الحق، يشاء الله له ذلك , وكما قيل: لله رجال إذا أرادوا أراد، والمثل واضح جدًا.
أب عالم كل آماله في الحياة أن يكون ابنه مثله، فبمجرد أن يتفوه ابنه بكلمة واحدة تعبر عن رغبته في طلب العلم، فالأب بكل إمكاناته، وبكل طاقاته، وبكل ما يملك، يضع كل هذه الإمكانات في خدمة الابن ليحقق هذا الطلب، بمجرد أن تشاء الهدى، يشاء الله لك، لأنه خلقك لتعرفه.
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
(سورة الذاريات: 56)
إذًا المشيئة الإلهية مشيئة تنفيذية، بينما مشيئة العبد مشيئة طلبية، اطلب تعطَ، لله رجال إذا أرادوا أراد، هذا هو المعنى الثالث.
شيء آخر، الله سبحانه وتعالى رسم للهدى طريقًا، فأيّ عبدٍ سار في هذا الطريق شاء له الهدى، وأيّ عبد حاد عن هذا الطريق حقت عليه الضلالة.