ليس هناك مكان مقدَّس لذاته ـ هذه نقطة مهمة جدًا ـ ليس هناك مكان مقدس لذاته إلا أن يقدَّسه الله عز وجل، فالله عز وجل أمر الإنسان وهو سيِّد المخلوقات أن يقبِّل الحجر الأسود، والتسلسل كما تعلمون؛ جماد، نبات، حيوان، إنسان. أمر الله أشرف مخلوق أن يقبل أقل مخلوقٍ رتبةً، وفي منسكٍ آخر أمره أن يرجم حجرًا في الجمرات التي هي رمزٌ لإبليس، لا يوجد مكان مقدس، الله عز وجل يقدس الشيء أو يهدر كرامة الشيء، ولذلك سواء توجَّه المسلمون إلى بيت المقدس، أم إلى مكة المكرمة، هم يتوجَّهون إلى الله عز وجل، وليس هناك مكان مقدس في ذاته.
{قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) }
يهديه الله عز وجل إلى طريقٍ مختصر، المستقيم هو أقصر طريق بين نقطتين، يهدي من يشاء مرضاة الله عز وجل، من يشاء رحمة الله، من يشاء محبة الله، من يشاء الفوز بالجنة والنجاة من النار.
{مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) }
أيها الأخوة، لو أن الله عز وجل قال: تحوَّلوا عن مكة المكرمة للعلة الفلانية، وتوجهوا إلى بيت المقدس للعلة الفلانية، هذا الأمر فقد قيمته التعبُّدية، حينما أعطيك أمرًا لمصلحتك الواضحة الصارخة أقول لك: افعل كذا من أجل كذا. أنت تقبل على تنفيذ هذا الأمر، لا حبًا بالآمر، ولكن حبًا بذاتك، فقد الأمر قيمته المعنوية، وقيمته التعبُّدية. يقول لك أحدهم: أنا أصلي لأنني قرأت مقالة أن الصلاة فيها رياضة. ليس له أجر فيها، ولا قيمة لهذه الصلاة إطلاقًا، أو أن يقول: أنا أصوم لأنني شعرت أن الصيام أريح لجسمي، أحس براحة، أحس بخفة، وأجد أمعائي تحسنت، ونشاطي ازداد، فأنا أصوم والحمد لله. هذا ليس صيام تعبُّد، هذا صيام رجيم، هذا صيام مصلحة.