العلماء قالوا: هذه الآية فيها تشبيه معكوس مقلوب أساسها: أفمن لا يخلق كمن يخلق، هؤلاء الشركاء الذين تزعمونهم من دون الله، هؤلاء يوازنون مع خالق الكون؟ يخيرك أحد بين نوعين من الطعام، تختار الأطيب، لكن بين أن تأكل طعامًا نفيسًا، وبين أن يأكل الإنسان سمًا ناقعًا فرقٌ!! بهذا الطعام يزداد صحة وقوة، وبهذا السم يهلك نفسه.
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ}
كيف يقبل الإنسان أن يكون مع مخلوق؟ أن يهب حياته لمخلوق؟ أن يهب ذكاءه وإمكاناته لمخلوق؟ هذا المخلوق الذي يتوجه إليه هو في حدّ ذاته لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، أيعقل أن يكون المخلوق مكان الخالق؟ أيعقل أن يطاع المخلوق ويُعصى الخالق؟! أيعقل أن نتجه إلى المخلوق ونعرض عن الخالق؟!
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ}
الفرق كبير جدًا بين البياض والسواد، الفرق حاد جدًا، وليس الفرق بالدرجة، ليس الفرق بين لونيين أحمرين، إنما بين الأبيض الناصع والأسود القاتم، بين التوفيق والتعسير، بين الأمل والإحباط، بين السعادة والشقاء، بين العلم والجهل، بين أن تشعر بصحة نفسية، وبين أن تشحن النفس بمئات الأمراض النفسية.
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ}
إن كنت مع من يخلق فأنت قد التجأت إلى ركن ركين، وإن كنت مع من لا يخلق فقد عذت بضعيف فانٍ، ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجًا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق لم يكن شيئًا مذكورًا، ضعيفٍ، يجوع، يعطش، يصيبه البرد، يغضب، هذا يعتصم به؟! وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هويًا من تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء من بين يديه.
أنتم الآن مدعوون إلى الخالق، وهناك من يدعوكم إلى مخلوق، إذا دعيت إلى إرضاء زوجتك ومعصية ربك فأنت آثرت المخلوق على الخالق.