لو أن أبًا يعمل في تدريس الرياضيات، وله ابن عنده في الصف، ألا يستطيع هذا الأب أن يعطيه قبل الامتحان بيوم الأسئلة، ويأخذ في اليوم التالي علامة كاملة؟ يستطيع ضمن إمكانه، لو فعل ذلك لحطم ابنه، لو قال له في أول العام: لا تقلق يا بني، أنت ابني، وأنا أحبك، وسوف أعطيك السؤال قبل بداية الامتحان بساعة، عطل فيه الدافع نحو الدراسة، فالإنسان أولًا مخير، فلو هدانا أجمعين لتعطل اختيارنا، الإنسان مكلف، لو هدانا أجمعين لتعطل التكليف، الإنسان مبتلى، لو هدانا أجمعين لتعطل الابتلاء، الإنسان حمل الأمانة، لو تعطل التكليف لأُلغيت هويته، مَن الإنسان؟ مخلوق.
حينما قال الله عز وجل:
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}
(سورة الأحزاب: 72)
هذا هو الإنسان، حمل الأمانة، وجُعِلت نفسه أمانة بين يديه.
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}
(سورة الشمس: 9 ـ 10)
جُعل مخيرًا، جُعل مريدًا، أُودعت فيه شهوات، دعي إلى الحق، فلا قيمة للهدى إلا إذا كان بدافع شخصي، بدافع من حرية الاختيار، أما لو ألزم الإنسان على الهدى لفقد الهدى قيمته، هذا معنى قوله تعالى:
{وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}
هذا الموضوع ينقلنا إلى موضوع كثيرًا ما يبحث عنه بعض الإخوة المؤمنين، كيف نفسر قوله تعالى؟
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}